نتائج التلاعب بمنطلقات الديموقراطية!

“المدارنت”
لقد بيّنت في الأسابيع الماضية نجاح محاولة ثلاثة أنظمة عربية في أقطار مصر وسوريا والعراق، مباشرة بعد انحسار الاستعمار الغربي عنها، في بناء اقتصاد عربي ذاتي مكون من رأسمالية الدولة واستعمال فوائضها لبناء اشتراكية المجتمع، لكن عدم حدوث إصلاحات سياسية تحميها وتنظمها وتطورها قاد إلى انتكاسات عديدة في تلك المحاولات الاقتصادية التقدمية الواعدة.
كان أهم خلل في فشل البناء الإصلاحي السياسي المطلوب، ناتجاً عن تقليد أنظمة الحكم الثلاثة وقياداتها السياسية لما فعله القائد الروسي لينين، بعد نجاح الثورة الشعبية في روسيا عام 1917، فقد أقنع الحزب الشيوعي الروسي المنتصر بضرورة المرور في مرحلة سياسية انتقالية تحت شعار الماركسية اللينينية، التي سيعتمد تطبيقها كحركة ثورية على أن تكون الحياة السياسية أثناء الفترة الانتقالية يقودها حزب قائد ماركسي ثوري، هو الحزب الشيوعي، وأن لا توجد تعددية سياسية حزبية على الإطلاق، وأن تكون قيادة الحزب الثوري قيادة بيروقراطية مركزية غير تعددية هي الأخرى، أي لا توجد ديمقراطية في المجتمع ولا في الحزب الشيوعي، إلى حين الانتهاء من تحقيق أهداف الثورة البلشفية الكاملة، وتحقق الانتقال من الاشتراكية الانتقالية إلى الشيوعية الكاملة.
وهكذا قررت قيادات الأنظمة الثلاث، أن تتعامل مع الديمقراطية في مجتمعاتها بالمنطق نفسه، فأصرت على رفض وجود أحزاب، أو في أحسن الأحوال وجودها ولكن قبولها وخضوعها لفكرة الحزب القائد، الذي يهيمن على الحياة السياسية وعلى كل قوى الحكم للدولة.
وجاءت الهجمة الاستعمارية الصهيونية واحتلالها لمعظم أرض فلسطين لتضيف سبباً آخر لتأجيل الانتقال إلى الديمقراطية التعددية الانتخابية، القائمة على تدوير سلطة الحكم في ما بين الأحزاب وإرادة مجموع الناخبين. وهكذا بدلاً من اقتناع الجبهات العربية الثلاث بأنه لا يمكن أن نصل إلى اشتراكية متكاملة، من دون أن يسير معها، جنباً إلى جنب، بناء وترسيخ الديمقراطية، وأن الديمقراطية هي الأخرى يجب أن تسير معها جنباً إلى جنب تغييرات ثورية عميقة اجتماعية…
بدلاً من ذلك ابتعدت تلك الأنظمة عن المتطلبات الديمقراطية كلياً، ليصبح النظام الاقتصادي الذاتي الجزئي، الذي أرادت بناءه منكشفاً لقوى الرجعية في الداخل من جهة، ولقوى الخارج الاستعماري والصهيونية الخارجية من جهة أخرى. والنتيجة أن لا النظام الاقتصادي الذاتي الواعد وصل إلى أهدافه، ولا الديمقراطية المطلوبة انتقلت إلى الواقع، ودخل المجتمع العربي برمّته، وليس الأقطار الثلاثة فقط، في الظلام الدامس الذي نعيشه جميعاً الآن.
ما يحتاج أن يتبناه شباب الأمة هو إعطاء أهمية كبرى ودور فاعل في نضالهم اليومي والدوري الثوري، لانتشال الاقتصاد العربي الذي أدخل في طريق مسدود من قبل الرأسمالية العولمية النيوليبرالية، وإعطاء أولوية قصوى لتحقق خطوات الانتقال إلى نظام ديمقراطي متوازن معقول متطور بصورة تراكمية نحو الأعلى فالأعلى. ما هو مطلوب أيضاً هو انتباه المفكرين المناضلين الملتزمين العرب إلى التركيز على وجود حملة توعية بين شابات وشباب الأمة، يدخل في كل تفاصيل، أي انتقال إلى أي نظام اقتصادي عربي ذاتي من حطام الاقتصاد العربي الواعد السابق، وعن أي تغييرات مجتمعية عربية مطلوبة للانتقال إلى بناء الأنظمة الديمقراطية.
ويأمل الإنسان أن تأخذ حملات التوعية تلك بعين الاعتبار درس عدم تكرار الأخطاء والخطايا التي ارتكبتها أغلب أنظمة العالم الاقتصادية والديمقراطية السياسية، والتي تصدر بشأنها يومياً كتابات ومناقشات بالغة الانتقاد لما مضى، وبالغة التقدمية لما يجب أن يأتي.
وسأقوم بدوري، بكل تواضع، في الإسهام المتواضع في بناء ذلك الوعي في الأسابيع المقبلة، بدءاً بالحديث عن أي نضال من أجل أي اقتصاد ذاتي عربي وأي ديمقراطية تقدمية عربية ذاتية يجب أن تتوجّه، بعد أن طال أمد الفراغ الفكري الذي فرض على الذات العربية في كل الأرض العربية.



