مقالات

“إسرائيل” إلى متى؟ الجزء (2 ـ 3)

د. عبد الناصر سكرية/ لبنان

خاص “المدارنت”
بعدما تبين لليهود هذا التمسّك الفلسطيني العميق بأرضه وتجذره فيها؛ بدأ وعي مغاير يتشكل في عقول نخب يهودية، معظمها من الذين يعيشون في ظل دولة ”إسرائيل” على أرض فلسطين المحتلة، نخب يهودية عايشت الواقع كما هو، وعاينت الممارسات الوحشية للدولة الصهيونية، فكان أن ظهرت جماعة ”المؤرخون الجدد” منذ أكثر من عقدين من الزمان، يتقدمهم المؤرخ إيلان بابيه، أستاذ التاريخ في “جامعة تل أبيب”، ومدير “المركز الأوروبي للدراسات الفلسطينية” في “جامعة أكسيتر” البريطانية، وصلت به المراجعات أن أصدر كتبًا عديدة يشرح فيها أكاذيب الصهيونية، ويفضح بالوقائع ممارسات دولته العنصرية، حتى بلغ التشكيك وإنكار وجود شعب يهودي أصلا، وهو الذي وُلد في فلسطين عام 1954، وكان صهيونيًا ملتزمًا.
وعديدون غيره، تبرأوا من الصهيونية، وأنكروا كل إدعاءاتها، ومنهم من عاد وسحب إعترافه بدولة ”إسرائيل”، وذهب كثير منهم إلى إعتبارها خطرًا على اليهود كبشر وعلى الدين اليهودي ذاته.
أما خارج فلسطين، فبرز نعوم تشومسكي في أميركا، وقبله مكسيم رودنسون، المستشرق الفرنسي، وغيرهم كثيرون مِمّن رفضوا إدعاءات الصهيونية الدينية الكاذبة.
نخب عايشت الواقع كما هو، فأدركت خطورة المشروع الصهيوني، فرفضته، وهي تحاربه بالحقائق التاريخية والسياسية والجغرافية.
ثم ظهرت نخب أخرى، تحركت فيها مشاعر إنسانية تجاه الفلسطينيين، بعدما عاينت بنفسها إرتكابات دولتها بحق شعب فلسطين. فرفضت تلك الإرتكابات الفظيعة على أساس إنساني.
وكان منهم من رفض تبرير تلك الفظائع على أساس ما تعرض له اليهود في ألمانيا النازية، أي “الهولوكست”، حتى أن بعض أبناء وأحفاد من قضوا في محارق “الهولوكست” يتخذون موقفا جذريًا رافضًا ممارسات دولتهم بحق شعب فلسطين.
ثمة قطاع واسع من اليهود الأوروبيين الذين يسمون “الأشكيناز”، وهم من بقايا “مملكة الخزر” التي كانت قائمة في القرن العاشر الميلادي في محاذاة روسيا، وإختارت لنفسها الديانة اليهودية بقرار سياسي من الدولة ذاتها، المهم أن المتحدرين من يهود تلك الدولة الأشكنازية، هم الأكثر عنصرية والأكثر تطرفًا وإجرامًا بحق فلسطين، وهم الذين يمثلون قيادة المشروع الصهيوني منذ تأسيس منظمته سنة 1897 في بال بسويسرا..
هؤلاء هم الذين يمثلون الدوافع الإستعمارية العميقة للمشروع الصهيوني، ويمارسون إستغلالا بارعًا للعقيدة الدينية، لتطويعها لخدمة مشروعهم الإستعماري، هؤلاء هم الأكثر إصرارا – معظمهم ولا سيما قياداتهم المنبثقة من صلب الرأسمالية الصهيونية ومعها الصهيونية الغربية – على البقاء في فلسطين، والقتال الهمجي الإجرامي، من دون أي إعتبار لأي قيمة إنسانية أو قانونية أو شرعية، هم هؤلاء الذين يتزعمون حرب الإبادة الشاملة، والتدمير المنهجي في فلسطين. وهم أكثر اليهود قدرة على تجسيد مقولة شعب الله المختار التي تبرر لهم إبادة مَن سواهم من البشر، لا بل إعتبارهم حيوانات تستحق القتل.
إن الممارسات الإجرامية لهذه الفئة من اليهود الصهاينة، هي التي دفعت كثيرا من اليهود الآخرين إلى تلك المراجعات التي أوصلتهم إلى إكتشاف المضمون العنصري الإستعماري اللا إنساني للعقيدة الصهيونية، ومعها دولتها القائمة في فلسطين المحتلة.
بقي ذلك القطاع الواسع من اليهود الذين أغرتهم الدعاية الصهيونية، بالهجرة إلى فلسطين، للتمتع بمستوى للمعيشة بمثابة جنة على الأرض، حيث الأمن والأمان، وحيث الأرض المجانية والتسهيلات المالية والرعاية الإجتماعية التامة، وإمكانية العيش بحرية تامة في دولة ديموقراطية مميزة، ليس فيها ضرائب حتى، يشكل هؤلاء العدد الأكبر من سكان دولة الكيان، وفي غالبيتهم يعيشون على أرض صادرتها دولتهم من أصحابها الأصليين، بعد أن بنت لهم أحياءً جميلة نظيفة مرفهة، بإسم ”مستوطنات”، وهي في حقيقتها بؤر إستعمارية إحلالية، بمعنى أن يحلّ سكانٌ أغرابٌ مكان السكان الأصليين، وليس إلى جانبهم أو معهم، فهي لذلك تمثل درجة متقدمة من الإستعمار.
ومنذ أن بدأ هؤلاء يشعرون بعدم الأمان مع تزايد الإنتفاضات الشعبية الفلسطينية، وتصاعد أعمال المقاومة ضدهم؛ وبعد أن دفعوا أثمانا بشرية كبيرة لم يكونوا على إستعداد لتقبلها؛ ولما أن أصبحوا عرضة دائمة لأعمال إنتقامية؛ وأصبحت صادراتهم الزراعية عرضة للمقاطعة في أنحاء كثير من العالم، فتعرضوا لخسائر مادية وتجارية؛ بدات أعداد متزايدة منهم بمغادرة فلسطين المحتلة، فكانت ظاهرة ”الهجرة المعاكسة” قد أصبحت غالبة، فزادت أعداد المغادرين على أعداد الوافدين، وهذا ما يحدث منذ ربع قرن تقريبا.
فيما برزت هذه الظاهرة في الشهور الأخيرة بشكل ملحوظ جدا، ومنذ عملية “طوفان الأقصى”، وما أحدثته من تصدعات في الجبهة الداخلية لدولة الكيان؛ تزايدت أعداد المغادرين إلى غير رجعة، ثم تسارعت وتيرة المغادرين مع الأحداث الأخيرة والعدوان “الإسرائيلي” على إيران؛ التي تقوم بقصف الداخل ”الإسرائيلي”، مما يتسبب بدمار نفسي قبل أن يكون ماديا.
إن غياب الأمان، أولا، ثم الخسائر البشرية الكبيرة، ثانيا؛ ثم عدم قدرة كل القوة العسكرية والمساعدة الغربية الكاملة على توفير الحد الأدنى من الإحساس بالأمان المطلوب للبقاء والإستقرار؛ الأمر الذي يؤدي إلى تزايد أعداد المغادرين نهائيا.
إن  كل القوة العسكرية والتقنية والأمنية والعلمية المتقدمة جدًا، التي يستخدمها العدو، لم تستطع كسر إرادة شعب فلسطين، ولم تستطع الوصول إلى الأسرى الموجودين في غزة، مما أدى إلى إنهيارات نفسية ومشكلات داخلية، ليس أهمها فقدان الثقة بالحكومة والأجهزة الأمنية؛ وليس أهمها المنازعات السياسية والقضائية بين المؤسسات الرسمية؛ كما ليست الصراعات بين أجهزة الحكم، وتحديدًا بين المؤسسة العسكرية والمؤسسات الأخرى؛ بل أن الأهم من كل هذا، فقدان الثقة بمستقبل الدولة كلها، وبقدرتها على البقاء، فضلا عن فقدان الثقة بمؤسساتها وتحديدا العسكرية لجهة ما ظهر فيها من عجز وتهرّب وإمتناع عن الخدمة، ورفض الإلتحاق بها، وتحدّي أوامر القيادة، وسوى ذلك من أشكال التسيب والتمرّد، وحتى الفساد الإداري والسلوكي..
(يُتبع)

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى