إندثار غانتس.. مزابل التاريخ واسعة على ازدحامها!

“المدارنت”
أعلن بيني غانتس، وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق والسياسي زعيم تحالف «أزرق أبيض»، الانسحاب من انتخابات الكنيست قبل ثمانية أيام من موعدها المقرر في 27 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، وهو قرار قسري أرغمته عليه استطلاعات رأي أجمعت على فشل تحالفه في حيازة نسبة 3,25% وهي العتبة الانتخابية الاشتراطية لدخول الكنيست. كما أن الانسحابات المتتالية لمرشحي مجموعته، أو التحاقهم بصفوف أحزاب أخرى، لم تترك له أي هامش للمناورة أو المكابرة.
وهنالك أكثر من دلالة خاصة تكتنف انسحاب غانتس، لعل في طليعتها أن اندثاره يتجاوز المصير الشخصي لزعيم أو سياسي أو ضابط شغل ذات يوم رئاسة أركان جيش الاحتلال، كما رُشح لرئاسة الحكومة بالتناوب مع بنيامين نتنياهو. فما يندثر معه ليس أقل من إرث عقائدي وسطي تختصره تسمية «الأزرق والأبيض»، والدعوة إلى وحدة وطنية صهيونية تتجاوز الخلافات الحزبية والخطوط الإيديولوجية والبرامج الحكومية.
وخلال مؤتمر صحافي شهد إعلان الانسحاب من سباق الانتخابات، اعترف غانتس بمسؤوليته الشخصية عن الفشل في إقناع الشارع الإسرائيلي بخطوطه الوسطية إجمالاً، وكان جديراً به الإقرار أيضاً بالآثار السلبية أو حتى المخزية التي تركها سلوكه في نجدة نتنياهو وإنقاذه ومساعدته على تشكيل ائتلاف حاكم مرتين سنة 2019 و2023، ثم اضطراره إلى مغادرة الحكومة بعد أن بلغت الخلافات مرحلة قصوى ألحقت بتحالفاته خسائر سياسية ومعنوية وأخلاقية فادحة.
كذلك فإن غانتس تصدر لائحة منافسي معسكر نتنياهو خلال سلسلة انتخابات متلاحقة بين 2019 وحتى 2020، متكئاً في قسط غير قليل من صعوده السياسي على سجله العسكري كرئيس للأركان خلال سنوات 2011 وحتى 2015، ثم انضمامه إلى تكتل يائير لبيد وموشيه يعالون وغابي آيزنكوت فور انتهاء فترة السنوات الثلاث الإلزامية أمام ضباط الجيش المتقاعدين قبل ممارسة السياسة. لكن الأوراق سوف تختلط سريعاً حيال تلهفه على إنقاذ نتنياهو، بذريعة جائحة كوفيد تارة أو 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 تارة أخرى.

ولا عجب أن يأتي الترحيب بانسحاب غانتس من قادة ما يسمى «المعارضة» في دولة الاحتلال، فقائمة الساسة المستفيدين من اندثاره تشمل غادي آيزنكوت وحزب «يشار»، ويائير غولان و»حزب الديمقراطيين»، ويوعاز هندل وحزب «الاحتياط والاقتصاد». وليست مفارقة، في المقابل، أن يبتهج معهم وزير خارجية الاحتلال جدعون ساعر لسبب أول هو أن غياب غانتس عن المشهد يمكن أن يشكل قدوة للأحزاب اليمينة الصغيرة بما يتفادى بعثرة الأصوات ويفيد ائتلاف نتنياهو. والسبب الثاني أن ساعر سبق له أن دخل في تكتل مع غانتس خلال الانتخابات الأخيرة، ثم التحق بصفوف نتنياهو، وله في اندثار غانتس الكثير من العزاء على فشل مشاريعه الحزبية.
يبقى درس بليغ حول مزابل التاريخ التي سوف تستقبل غانتس، على اتساعها وازدحامها بمجرمي الحروب من كل صنف وفئة، وهو بدوره لن ينتظر طويلاً قبل لقاء شركائه في حروب دولة الاحتلال الإبادية والاستيطانية والعنصرية.



