مقالات

سقوط “الأيديولوجيا” أمام سيطرة “التكنولوجيا”.. الجزء (1-2)

عبد الناصر طه/ لبنان

خاص “المدارنت”
قرأت في الأسابيع الماضية؛ مقالات وطروحات فكرية وسياسية تتعلق بالمشروع النهضوي العربي، منها ما نشره بعض الاخوة على وسائل التواصل الاجتماعي، ومنها ما نشرته مواقع اعلامية معروفة.

تناولت تلك الافكار بعض جوانب التجربة الناصرية بالنقد، وأخرى حاولت تشريح الفشل الحزبي العربي، معتبرة أنّ سيطرة كبار السنّ على مقاليد الأحزاب والتنظيمات حجب عنصر الشباب عن القيادة، ما أدّى حسب رأيهم الى انحسار العمل السياسي العربي عامة، وآخرون يحاولون تقييم التجارب القومية العربية بين الحين والآخر.

هنا، أشارك الاخوة والأصدقاء هواجسهم وآراءهم في مساهمة متواضعة حول ما طُرح، في عناوين قد تشكل يوماً أساسًا لحوار فكري ثقافي نهضوي صادق، نخدم في نشره أجيالنا الصاعدة.

أزمة الأحزاب
لم تعد أزمة الأحزاب السياسية في العالم مرتبطة، كما يحاول البعض تصويرها، بتقدّم أعمار قياداتها أو بكونها تنتمي إلى أجيال سياسية سابقة. فالمشكلة أعمق من العمر، وأبعد من تبديل الوجوه. المشكلة الحقيقية هي في هيمنة العقلية الفردية على العمل السياسي، وفي عجز الأحزاب عن الانتقال من منطق الزعيم إلى منطق المؤسسة، ومن الشعارات الأيديولوجية إلى منطق الدولة والإنجاز.

فـالرؤساء: (دونالد ترامب وبوتين وأردوغان وماكرون) وغيرهم كثير، ليسوا من جيل الشباب، ومع ذلك ظلوا قادرين على التأثير في السياسة وصناعة التحولات. وهذا يؤكد أن معيار النجاح السياسي ليس عمر القائد، بل قدرته على فهم عصره، وامتلاك رؤية، وبناء مؤسسة قادرة على الاستمرار من بعده.

الأيديولوجيا أمام عصر التكنولوجيا
خلال القرن العشرين، استطاعت الأيديولوجيات الكبرى أن تمنح الأحزاب هويتها: القومية، والاشتراكية، والشيوعية، والإسلام السياسي، وغيرها. كان الحزب يقدم آنذاك تفسيراً شاملاً للمجتمع والتاريخ والاقتصاد والدولة، ويطلب من جمهوره الالتزام بهذا التفسير؛ لكن العالم تغيّر.

لقد جاءت التكنولوجيا لتقلب العلاقة بين الإنسان والمعلومة والسلطة. حيث لم يعد المواطن ينتظر الحزب كي يخبره بما يحدث، ولا يحتاج إلى صحيفة حزبية أو منبر سياسي لكي يكوّن رأياً؛ فالهاتف المحمول أصبح نافذة على العالم، ووسائل التواصل الاجتماعي كسرت احتكار الأحزاب للمعلومة، والذكاء الاصطناعي بدأ يعيد تشكيل الاقتصاد والتعليم والإدارة والإعلام، وفي ذلك إعادة برمجة الإنسان.

وهنا بدأت الأيديولوجيا التقليدية تفقد إحدى أهم وظائفها: احتكار تفسير الواقع؛
فلم يعد السؤال الأساسي لدى المواطن: هل أنت قومي أم إسلامي أم يساري؟

بل أصبح: ماذا تستطيع أن تفعل؟
هل تستطيع أن توفر الأمن؟
هل تستطيع مكافحة الفساد؟
هل تستطيع إصلاح القضاء؟
هل تستطيع تطوير التعليم؟
هل تستطيع خلق فرص العمل؟
هل تستطيع بناء اقتصاد منتج؟
هل تستطيع إدارة الدولة بكفاءة؟
وهذه الأسئلة لا تجيب عنها الشعارات، بل المؤسسات والكوادر والكفاءة.

فشل القومية
قدمت الأحزاب القومية في مراحل تاريخية مختلفة؛ مشروعاً يقوم على الوحدة والتحرر والاستقلال والتنمية والعدالة الاجتماعية. وكانت هذه الأهداف تحمل أبعاداً أخلاقية وسياسية كبيرة، خصوصاً في مواجهة الاستعمار والتجزئة.

لكن التجربة كشفت مشكلة جوهرية، وتكاد تكون عامة، وهي تحوّل المشروع القومي في كثير من الحالات من مشروع نهضوي إلى سلطة شخصية؛ وبدلاً من أن يكون الحزب وسيلة لبناء الدولة، أصبحت الدولة في بعض التجارب امتداداً للحزب، وأصبح الحزب امتداداً للزعيم.

وهنا تكمن واحدة من أكبر مشكلات الأحزاب في العالم الثالث: عدم القدرة على الفصل بين الفكرة والشخص، وبين الدولة والحاكم، وبين القيادة والمؤسسة.

أزمة الإسلام السياسي
أما الأحزاب الدينية، فقد دخلت السياسة وهي تحمل وعداً أكبر: إقامة مجتمع عادل يستند إلى القيم الدينية التي ترتكز بدورها على الكتب المقدسة، سواء كانت سماوية أو غير ذلك.

لكن التجربة السياسية أظهرت أن الدين شيء، وتوظيف الدين في الصراع على السلطة شيء آخر؛ فحين تتحول العقيدة إلى أداة حزبية، يصبح الاختلاف السياسي قابلاً للتحول إلى خلاف ديني، وتصبح المعارضة للسياسة وكأنها معارضة للدين نفسه.وهذه واحدة من أخطر المشكلات التي واجهتها مجتمعاتنا: تحويل المقدس إلى أداة للصراع السياسي.

والتاريخ الإسلامي نفسه عرف مبكراً مشكلة السلطة وتداولها، ما كلّف الكثير الكثير من الدماء، فقد انتقلت الخلافة بعد معاوية بن أبي سفيان إلى نموذج وراثي، بينما تبلور لدى الشيعة مفهوم الإمامة في إطار الأئمة من أهل البيت وامتدادها في ذريتهم وفق المعتقد الإمامي.

لكن الدولة الحديثة لا يمكن أن تقوم على الوراثة السياسية، سواء كانت وراثة عائلية أو حزبية أو طائفية. لأن الشرعية الحديثة تقوم على المؤسسات والقانون والانتخاب والكفاءة والمساءلة.

فشل اليسار
أما اليسار، فقد قدم واحدة من أكثر الأفكار تأثيراً في التاريخ الحديث: العدالة الاجتماعية، وحقوق العمال، ومواجهة الاستغلال الاقتصادي، وتقليص الفوارق الطبقية.
لكن قطاعات واسعة من اليسار وقعت في مشكلة الجمود الفكري، وتحول بعضه من مدرسة في النقد الاجتماعي والاقتصادي إلى منظومة مغلقة تفسر كل شيء من خلال قوالب جاهزة، منظومة تجعل السلطة أهم أولوياتها، ما أفسح المجال للمغامرين واللصوص والفاسدين والمجرمين الدمويّين لتسلق الحكم، حيث أجهضوا معظم تجارب اليسار حول العالم، وعلى وجه الخصوص بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وتغير الاقتصاد العالمي وصعود الاقتصاد الرقمي.

لكن هذا لا يعني أن العدالة الاجتماعية ماتت. والعكس هو الصحيح. لأنّ ما سقط هو احتكار الأيديولوجيا لفكرة العدالة، لا فكرة العدالة نفسها.
فالعدالة الاجتماعية اليوم؛ تحتاج إلى اقتصاد حديث، وتعليم متطور، وتكنولوجيا، وشبكات أمان اجتماعي، وفرص متكافئة، وإدارة كفوءة؛ لا إلى إعادة إنتاج شعارات القرن العشرين.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى