خطر التعصُّب المذهبيّ.. الجزء (1-2)

خاص “المدارنت”
“إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء”.. “ولا تكونوا من المُشرِكينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُون”.
التمذهب في الإسلام – وهو التحَوُّل من الاستئناس بالمدارس الفقهية كأدوات لفهم الدين إلى التعصُّب الأعمى لها – يحمل مخاطر جسيمة تؤثِّر على وحدة الأمّة وعقليّة الفرد. هذه المخاطر منها دينيّة وعقائديّة، كتقديم قول البشر على النص بتفضيل آراء أئمّة المذهب على الأحاديث الصحيحة والآيات القرآنيّة الصريحة، وابتداع الولاء والبراء الضيِّق كجعل مقياس الحبّ والبغض والتقريب قائمًا على الانتماء المذهبيّ لا على أصل الإيمان، والتعصُّب للشخصيّات بإضفاء نوع من العِصمَة العمليّة على أئمّة المذاهب رغم تأكيدِهِم، هم أنفسهم، على وجوب اتّباع الدليل.
ثمّ منها المخاطر الاجتماعيّة والسياسيّة التي تتمثّل بعدة أوجُه:
– تمزيق وحدة الأمة حيث يتحوّل المسلمون إلى طوائف متناحرة؛ ممّا يُضعِف قوّتهم أمام التحدِّيات الخارجيّة.
– إثارة الفتن والنزاعات حيث زخَرَ التاريخ بالتعصب المذهبيّ الذي أدّى إلى حروب أهليّة وصراعات دمويّة بين أبناء الدين الواحد.
– إقصاء الآخر وتكفيره بتبادُل اتّهامات المُروق من الدين، ورفض الصلاة خلف أئمّة المذاهب الأخرى في فترات تاريخيّة معيّنة.
أمّا المخاطر الفكريّة والعلميّة بالتالي:
– إغلاق باب الاجتهاد ممّا يؤدّي إلى تعطيل العقل الفقهيّ، والاكتفاء بالتقليد والترديد الأعمى لآراء قيلت في بيئات وزمن قديم.
– ألعجز عن مواجهة النوازل لعدم القدرة على إيجاد حلول شرعيّة مرِنَة للمشكلات المعاصرة؛ بسبب الجمود داخل إطار المذهب الواحد.
– تحريف النصوص باللجوء إلى التماس تأويلات بعيدة ومتَعسِّفة لآيات القرآن أو الأحاديث لتُوافِق رأي المذهب.
إذا أردنا رؤية الفرق بين المذهبية المحمودة والتعصُّب المذموم فعلينا، أوّلًا، أن نفهم بأنّ المذاهب الفقهيّة – في أصلها – بيئات علميّة لتسهيل فهم الدين، وأنّ الخلط بين الاستفادة منها والتعصُّب لها هو أساس المشكلة؛ فالمذهبية المحمودة (المدارس العلميّة) هي مجرّد أدوات ومناهج لاستنباط الأحكام، معاييرها هي الدليل الشرعيّ، حيث يدرس الطالب المذهب، ليتعلّم كيف يفكِّر العلماء، مع احترامه الكامل لبَقيّة المذاهب واعتبارها كلّها على خير.
أمّا التمذهب المذموم (التعصّب)؛ فهو تحويل المذهب إلى “دينٍ موازٍ”؛ خيث يكون المعيار هنا هو رجل المذهب، فيُصبح كلام إمام المذهب هو الأصل، ويُطوَّع النصّ القرآنيّ، أو الحديث، ليُوافق كلام الإمام مع معاداة من يخالفه..
لنَستعرِض بعض الشواهد من التاريخ على خطورة التعصّب المذهبيّ؛ حيث تجاوزَ التعصُّب الخلاف العلميّ النظريّ؛ وتحوّل إلى واقع مؤلم فرّق المسلمين:
– تعدد المحاريب في الحرم المكّيّ، لقرون طويلة كان المسلمون يصلون جماعات خلف أربعة محاريب في المسجد الحرام (محراب للشافعية، وآخر للحنفية، وللمالكية، وللحنابلة)، ويرفض بعضهم الصلاة خلف إمام المذهب الآخر.
– فتنة بغداد (بين الحنابلة والأشاعرة)، فقد شهدت بغداد في القرن الخامس الهجريّ؛ صراعات دمويّة واضطرابات في الأسواق بسبب الخلافات الفقهيّة والكلاميّة .
– اشتراط المذهب في القضاء والوظائف، في بعض عهود الدول الإسلاميّة (كالدولة العثمانيّة أو المملوكيّة)، كان يُشترط مذهب معيّن لتولي القضاء أو التدريس، مما أقصى كفاءات علميّة هائلة لمجرّد اختلاف مذهبها.
هذا لا يعني أنّ الأمور تُرِكَت من دون مقاوَمَة، فقد جهد العلماء المُصلحين في محاربة التعصُّب، ووقف فحول العلماء عبر التاريخ ضدّ هذا الجمود، ودعوا إلى العودة للمعين الأوّل (الكتاب والسنة) حيث سُجِّلت العديد من الخطوات العمليّة كان أهمُّها:
– وصايا الأئمة الأربعة أنفسهم، حيث كلُّهم تركوا قاعدة ذهبية واحدة بقول الإمام الشافعي: “إذا صَحّ الحديث فهو مذهبي”، وقول الإمام أبو حنيفة: “لا يحِلّ لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه”.
– حركة التجديد التي قادها ابن تيمية، وابن القيِّم اللذان ركّزا على فتح باب الاجتهاد، ومحاربة التقليد الأعمى، وإثبات أنّ الحقّ يدور مع الدليل لا مع الأشخاص.
– ألمجامع الفقهية الحديثة؛ مثل مجمع الفقه الإسلاميّ الدوليّ، والتي تجاوزت الفقه الفرديّ المذهبيّ إلى “الاجتهاد الجماعيّ”، حيث يجتمع علماء من كل المذاهب لدراسة القضايا المعاصرة؛ والخروج برأي يخدم مصلحة المسلمين من دون تقيُّد بمذهب واحد.



