الانتفاضة الطلّابية.. “جبهة إسناد” أميركية لغزّة!

“المدارنت”/ هناك في جامعات الولايات المتحدة، في كاليفورنيا وتكساس ولوس أنجلوس ونيويورك وواشنطن وغيرها، وليس في القاهرة بيت العرب وجامعة الدول العربية، تجري معركة حقيقية يخوضها طلبة أمريكيون من أصول ومنابت عرقية ودينية وخصوصًا يهودية ضد حملة الإبادة الجماعية المتواصلة بحق الفلسطينيين في قطاع غزّة. هناك في الولايات المتحدة التي ضخّت إدارتها “الديموقراطية” عشرات مليارات الدولارات لتمويل ما شرعت “إسرائيل” (كيان الإرهاب الصهيوني في فلسطين المحتلة) في تنفيذه لاجتياح مدينة رفح، تحت لافتة حماية الأمن القومي الأمريكي كما صرّح الرئيس الامريكي جو بايدن، تُخاض معركة حقيقية تشي بولادة رأي عام أمريكي جديد منتفض على كامل السردية الأمريكية “المقدِّسة لـ”إسرائيل” وضمنًا حرية التعبير والديمقراطية وحقوق الانسان.
ليس أمرًا بسيطًا أو ثانويًا أن يشكّل طلبة جامعة كولومبيا، بوصفها المصنع الذي يرفد الدولة الأمريكية بجنرالات السياسة والحروب، رأس حربة نزع صفة القداسة عن “فزّاعة اللا سامية” باعتبارها لافتة اغتيال معنوي وربما جسدي لكل من يتطاول على “إسرائيل” في العالم، فكيف ببراعم وشباب مستقبل الولايات المتحدة الذين لهذا الغرض نفّذ رئيس مجلس النواب الأمريكي مايك جونسون على رأس كتيبة نيابية عملية دهم لحرم جامعة كولومبيا بهدف تهديد الطلاب والحجر على آرائهم الرافضة لاستمرار العدوان على فلسطين والفلسطينيين، ما دفع بعض الجامعات للإغلاق وإحالة ملف مخيمات الطلاب للجهات الأمنية بغية تدجين الطلّاب وإخضاعهم و”إدانة سلوكهم” كما طالب نتنياهو.
مشهد طلاب جامعة كولومبيا وجامعات أمريكية أخرى، والذي لم يحصل منذ حرب فيتنام، يؤسّس لتبدّل عميق في توجهات الرأي العام الأمريكي والعالمي، ولبداية إرهاصات وديناميات سياسية جديدة تلغي انحياز الإدارات الأمريكية ما بعد الأعمى لجانب “اسرائيل”. ويبدو أنّ الصرخة النارية التي أطلقها الطيار الأمريكي آرون شومل أمام مقرّ السفارة “الإسرائيلية” في واشنطن لم تزل مدوية في أعماق الأمريكيين كحجر أساس صرحٍ جديد لتمثال الحرية.
باستثناء الاعتصام الاحتجاجي المؤثّر الذي ينفذه أهل الأردن في محيط السفارة “الاسرائيلية” في عمّان، لا أثر حقيقيًا لأي حراك شعبي بمستوى المجزرة “الإسرائيلية” (الإرهابية الصهيونية) المتواصلة في غزّة وكل فلسطين، وربما تلاشى الرهان على تحوّل اعتصامات الاردن إلى عدوى تصيب البلاد العربية، سيّما المطبّعة مع “إسرائيل”.
لقد أشعل العدوان على غزّة ثورة طلابية عالمية، فعدوى انتفاضة طلاب الجامعات الأمريكية تحمل في أحشائها كل بذور تحوّلها إلى حركة عالمية تعانق دعوى جنوب أفريقيا في محكمة العدل الدولية، وأيضًا دعوى نيكاراغوا ضد ألمانيا لانخراطها في تسليح “إسرائيل” وتمويلها، فضلًا عن الدعاوى لمحاكمة قادة “إسرائيل” أمام محكمة الجنايات الدولية.
حراك طلاب الجامعات الأمريكية بات على أجندة المتابعة الدقيقة لإدارة بايدن، وأيضًا للدول الأوروبية المنخرطة والشريكة في العدوان على الفلسطينيين، سيما بعدما انتقلت إليها شرارة انتفاضة الطلاب الأمريكيين كما حصل في جامعة السوربون الفرنسية، وهي الشرارة المرشحة لتعم كافة الجامعات الأوروبية، خصوصًا منها تلك الداعمة والراعية لـ”إسرائيل” وجرائمها الإبادية (الإرهابية) بعيدًا عن القانون الدولي.
ليس سهلًا على الولايات المتحدة الأمريكية مواجهة طلّابها وشعبها، سيّما بعد عزلتها الدولية الأخلاقية وهي تستخدم الفيتو لعدة مرّات ضد وقف إطلاق النار في غزّة، ومؤخرًا ضد قرار قبول عضوية فلسطين الكاملة في منظمة الأمم المتحدة، ما يفضح ادعاءاتها الكاذبة بـ”حلّ الدولتين” التي سحقها نتنياهو تحت جنازير الدبابات، كما سحق شارون “المبادرة العربية للسلام” لحظة إطلاقها ذات قمّة عربية في بيروت. ولمحاولة فك العزلة، تهافت بايدن ومعه 17 رئيس دولة لإصدار بيان يدعو للإفراج عن المحتجزين (الأسرى) “الإسرائيليين” لدى “حماس”.
الحرب على غزّة بوصفها أطول حروب “إسرائيل” باتت تشكل مرجلًا لتحوّلات كبيرة في المنطقة والعالم. وادعاء واشنطن الحرص لمنع اتساع رقعتها لا يتسّق مع انخراطها العسكري والتسليحي والتمويلي الكامل لـ”إسرائيل”، كما أنّ هذا الادعاء سقط للمرة الثانية بعد 7 أكتوبر إثر المواجهة الإيرانية/ “الإسرائيلية” والردود المعلنة والغامضة والتي برزت فيها هشاشة قوة “إسرائيل” المحميّة بالبوارج والأساطيل الأمريكية والأطلسية. وبعيدًا عن حملات توهين أو تضخيم الردّ الإيراني على حادثة القنصلية في دمشق، والردّ الإسرائيلي الغامض عليه، فقد بَدَت واشنطن أشبه بضابط إيقاع وعرّاب الردّين الإيراني و”الإسرائيلي”.



