تربية وثقافة

الثقافة بين المعالجة والاستفزاز

عمر سعيد/ لبنان

“المدارنت”
أذكر حين كنت صغيرًا، أنّ أزمة في إدارة الحديث كانت تقع في سهرات القرية، بغضّ النظر عن مكان انعقادها..
لم يكن أحد يعلم كيف يبدأ الموضوع، لكن الغريب أنّ الكلّ كان يشارك، ويسهم بقصّة شخصيّة، سواء أكانت الحكاية عن الطب، أو عن الزراعة، أو عن الجن، أو عن عراكات الشباب في القرية.
كنت أراقب ذلك، وأستغرب محدوديّة عدد المستمعين في تلك السهرات، ولا أبالغ إن قلت: إنّني كنتُ المستمع الوحيد بين الحاضرين، وذلك لصغري، بعدها يتحوّل المكان إلى ضجيج، يطرد متعة السهر والتندّر في تلك الليالي النائية.
بعد أن كبرت رحت أطرح بعض الأسئلة: هل المكان أهم من الشخص؟ وأيهما أهم المنبر أم المتحدّث، والمقعد أم الجالس فيه؟
تقدّم المنصّة، الحاضنة للفعل، شرعية وإطارًا؛ يجعل المكان والمنبر أهم، ومن هنا تأتي حالة تباهي النجوم بالوقوف؛ فوق خشبات مسارح عالمية شهيرة، كدار أوبرا “لا سكال” في إيطاليا، وقصر “غارنيه” في باريس.
فالثقافة فعل صعب وقاس، في مجتمعات جافّة قاحلة.
يغدو من يشتغل بالثقافة، حيث يسيطر الجهل، جرّاحًا يتعاطى مع جسد معقّد بكثرة جراحه المتقيّحة، ويتحوّل العلاج إلى فعل مؤذ وعنيف، لذا حذاري من ردات الفعل إذا ما أيقظناه واستفزيناه.
ليس لأنّ الفعل الثقافي فعل تفجير فقط، بل لأنّ الجهل جرح؛ لا يختلف عن الجراح التي تنز قيحًا.
وهل المنبر أهم من المتحدّث؟
نعم، لأنّ المنبر يصنع شرعية الصوت، على الرغم من أن منبرًا بلا متحدث عميق، يتحوّل إلى مصدر ضجيج، فالصوت الأصيل يمكنه أن يصنع منبرًا أينما وقف.
إنّ وفرة المنصّات رخّصت الكلام، وحوّلت الحال من نوع إلى كم، فغابت عن المنابر المعارف، وازدحم فوقها الصراخ.
فهل واجب الثقافة معالجة الجهل أم استفزازه، وإثارة غضبه؟
إذ تتحوّل الثقافة في بيئة غير ناضجة إلى استفزاز.
وهنا يقع المثقف بين خيارين:
إمّا أن يصمت احترامًا لسلامه الداخلي، وإمّا أن يتكلّم ويخاطِر بنفسه؛ ليوقظ الغضب الكامن في جراح الجهل المعقّدة.
وهنا تكمن معركة المثقّف الحقيقي في مجتمع هشّ، لذا علينا إدراك طبيعة المجتمعات التي تستسهل المنابر، وتخاف الفعل الثقافي.
فما هي آليات حماية الفعل الثقافي؟
لأن من يصنع الفعل الثقافي هو الأكثر تعبًا، لكنه ليس الأكثر صوتًا.
فأن تبني منصّة، وتهيّء ضيفًا، وتدعو الناس، وتتحمّل ضغط التنظيم، أمر لا يُرى، لكن أن تقمع صوتًا، فتلك جريمة شرف..
وعندما يبدأ النشاط، يصبح الجميع خطباء، ناقدين، معلّقين، أصحاب رأي، ويغدو المنبر ملكًا مشاعًا للحاضر والغائب، وليس ملك للمعرفة المتخصّصة.
ولأنّ من يصنع الفعل، لا يصنع الضجيج.
ولأنّ من يصنع الضجيج، لا يصنع الفعل في الريف، يعيش الناس على الشرف، لا على الاختصاصات المعرفية.
إذ يعطي المنبر في الريف وجاهة، لذلك إن من يقف على المنبر، يقف ليدفاع عن شرفه قبل فكرته، وإن من يحضر يريد أن يقول:
“أنا موجود” أكثر من قوله: “أنا أشارك”.
وهكذا يتحوّل كلّ تداخل إلى كباش لفظي وتحليل، وتحليل مضاد، ورَدًا على الردّ الذي ردّ على الردّ، وتتحول الفعالية الثقافية من منصّة معرفة، إلى منصّة أصوات.
لنستنتج أن المنبر في الريف حاجة اجتماعية أكثر منه حاجة معرفية.
وهذا دليل عميق على أنّ المجتمع “بحاجة للفعل الثقافي”، وإن بدا على شكل ضجيج.
إنّ العمل الثقافي ليس تنظيمًا لفعالية، بل مواجهة مع طبيعة المجتمع، وإنّ أصعب ما في الثقافة ليس إعداد المنبر ، بل ضبط الأصوات التي تريد الصعود إليه، وإنّ المثقف في الريف ليس صانعًا للمعرفة، بل مدير أزمة أصوات قد تودي بحياته.

* من كتاب: “الكتابة ليست علفًا” قيد الإنجاز

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى