الجريمة والعقاب.. عندما تتحول الأخلاق انعكاساً للانحدار السياسي في لبنان!

خاص “المدارنت”..
مُشينًا وبكل ما للكلمة من معنىً، هذا الكم من الانحدار الأخلاقي في لبنان، الذي تُزكِم الفضائح المُتراكمة الناجمة عنه كل مناقشةٍ موضوعيةٍ صائبةٍ لما يجري في دولةٍ مُغَيَّبَةٍ لا يطفو على أسفلت شوارعها سوى تداعيات هذا الغياب، الذي بات حتى الإسفلت الأسود، أشد نقاوةً وابيضاضًا من هذا الانحطاط الأدبي والأخلاقي الذي لم يعد يطال ناحيةً معينةً من زوايا ودساكر وانعطافات هذا البلد.. وإنما بات يُهدِّد الحياة اللبنانية بكل ذرَّات هوائها، والنسيم الذي يتنفس اللبنانيون به، ولم يعد البحر المتوسط ببياضه كافيًا لتنظيف ما أفرزه سياسيو هذا البلد من قذارة وأوساخٍ…! أو التَطَهُر من أرْزاء مُمارساتهم القاتلة لكل نسغ الحياة وشرايينها من: اقتصادٍ واجتماعٍ وثقافةٍ وتربيةٍ ومالٍ وأعمالٍ…
هل هي البيئة الحاضنة للفساد، والتي تدفع المادلة الجهنمية الجدلية، ما بين بيئةٍ تصنع المُجْرم، وسلطة تدفعه إلى التمادي في انحرافه، وهو المطمئن بإفلاته من العقاب…؟ أم أن المطلوب هو استلحاق بعضًا من الأسباب التخفيفية للمرتكب، والنظر فيما هل هو مجرمٌ حقًا…؟ أم أن صنيعة بيئةٍ إجرامية لندخل في نقاشٍ مسؤولٍ ساخنٍ جدًّا على غِرار ما واجهه أديب روسيا الكبير دوستويفسكي يومًا عندما اختلف النقاد حول روايته المشهورة « الجريمة والعقاب »، في توصيف الظروف التي أحاطت بالقاتل بطل الرواية، أم نعود إلى الكاتب إحسان عبد القدوس في قوله: « لا تسألوا الناس، إنما اسألوا الظروف ».. أم أنه في العودة إلى ما كتبه أمير الشعراء أحمد شوقي، باتت في حِكم الضرورة الماسّة، وهو القائل:
إنَّمَا الأُمَمُ الأخْلاقُ ما بَقِيَتْ
فَإنْ هُمْ ذَهَبَتْ أخْلاقُهُم ذَهَبُوا
صَلاحُ أمْرِكَ لِلْأخْلاقِ مَرْجِعُهُ
فَقَوِّمِ النَّفْسَ بِالْأَخْلاقِ تَسْتَقِم…
ومع كل ما تقدم، نبحث ونفتش في الأدبيات، ما تقدم منها وما تأخر، لعل وعسى، نحظى بما يمكن اعتباره أسبابًا تَخْفيفيَّة للجريمة في لبنان، فلا نجد…! بل صار من الصُّعوبة بمكانٍ أن نجد، في ظلِّ منظومةٍ سياسيةٍ فاسدةٍ حاكمةٍ تُدير البلد بأقنعةٍ شتى، من وجوه الفضيلة المزيفة والأدب، والحِرْص على الأخلاق، حتى لنكاد نظن أنه من كثرة لابسي الأقنعة في زماننا هذا. لقد غدا من العسير أن نتعرف على الشخص الذي خلف القناع، والمقولة هنا للروائي الروسي دوستويفسكي أيضاً ، فنحتار من أيَّة زاويةٍ نبدأ منطلقين من الحرص على اجتناب الوعظ، والمثاليات الفارغة البعيدة عن الواقع، أو الاستغلال الفاضح للدين والطائفة والمذهب، ونتساءل: لمن الأسبقية في المعالجات، هل هو القانون الذي يجب أن يُطَبّق على الكبير قبل الصغير، والسياسيين قبل العوام.. أم وضع الحدود أمام كل تدخلٍ وحمايةٍ سياسيةٍ لفاسدين مكانهم السجون لا الفرار منها، وتسهيل ذلك بالشكل الفاضح غير المسبوق، حتى في القاموس الميليشيوي غير المكتوب، أم أن الأزمة المعيشية جعلت من الجوع الكافر الأوحد والأخطر، وربما الأقوى في هذا البلد، لما يمتلك من أنصار وجماهير جوعى، وما تحويه الأمعاء من قنابل موقوتة، مُهيئة للتفجير مع كل ما يستفز أمعاء الفقراء من قرحةٍ، أو التهابٍ معوي حاد سببه الجوع، وترفع من حدّة السؤال مستفهمًا:
أين دور الرأسمال الوطني اللبناني، في ظل غياب الدولة، ليشغل حيّزًا اقتصاديًّا ما، يسد ما أمكن من فجوات التقصير الرسمي للدولة، في بلدٍ لا تجد بؤر الفقر المتعددة فيه سوى في مسقط رأس أثريائه، فيما الأراضي الشاسعة والثروات العقارية المملوكة للطوائف والمذاهب لم يلحظ القيّمون عليها يومًا البدء بمشاريع إنتاجية وإنشائية، تستوعب الجمهور الغفور لكل منها الذي لا يوفر عِظَةً أو خِطبة في أيام الجُمَع والآحاد سواءً بسواء…
إن كل ما تقدّم لا يعفينا، نحن الشعب اللبناني المقهور المعذَب، من مطالبة القضاء وضع أياديه على الفضائح الأخلاقية، التي تم الكشف عنها مؤخرًا، ويندى لها الجبين لما تمثله من انحرافٍ أخلاقي غير مسبوقٍ عن القيم والمُثُل والأعراف.. ومن العار أن تمر كما مرَّ غيرها من جرائم مالية واقتصادية وأمنية، تُشكل في مواجهتها جميعًا خشبة خلاصٍ حقيقيٍّ لبلدٍ يغرق، وشعبٍ لا ينتظره سوى طوفان الغضب…



