الجزائر بعد دول عربية.. تختلف مع الإمارات!
“المدارنت”
يمكن اعتبار تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون حول الإمارات، مؤخرا، إعلانا جديدا للانضمام إلى قائمة من الدول العربية “الغاضبة” من سياسات أبو ظبي، وذلك باتهامها صراحة بـ”محاولة التدخل في الانتخابات” في بلاده.
تزامن هذا الاتهام مع اتخاذ الجزائر قرارا بإيقاف العمل باتفاقية خدمات النقل الجوي مع الإمارات، التي كانت سارية بين البلدين منذ عام 2013، فيما توقع مقال نشر في صحيفة “الخبر” الجزائرية أن تتخذ الجزائر قرارا بقطع العلاقات بين البلدين.
لم يأت انفجار الخلافات بين الجزائر والإمارات بشكل مفاجئ فقد سبق لتبون أن أطلق تصريحات قال في أحدها، عام 2024، إن “أموال الإمارات حاضرة في كل بؤر التوتر، سواء في مالي أو ليبيا أو السودان”، وكان سبق له أن وصف الاتفاقات الإبراهيمية التي قادتها الإمارات بـ”الهرولة نحو الكيان الصهيوني”.
قام تبون في المقابلة التي اتهم فيها أبو ظبي بالتدخل في الانتخابات الجزائرية بالإشادة، في الوقت نفسه، بعلاقات الجزائر مع السعودية وقطر ومصر، وهي ظاهرة تكررت مع الصومال التي أعلنت في الشهر الماضي إلغاء جميع اتفاقاتها الأمنية والاقتصادية مع أبو ظبي، بما فيها مشاريع الموانئ، مع اتهام خطير لها بـ”تقويض سيادة البلاد ووحدتها”، ثم أعلنت بعدها عن اتفاق دفاعي مشترك مع السعودية.
برزت السياسة الخارجية الإماراتية المثيرة للجدل في السودان، أكثر الساحات العربية اشتعالا، عبر دعمها لـ”قوات الدعم السريع” وهو ما أدى لإعلان حكومة السودان في أيار / مايو 2025 قطع العلاقات مع أبو ظبي واعتبارها “دولة عدوان” ورفع شكوى لمجلس الأمن تتهمها بالتسبب في إبادة جماعية، وقد ساهمت الحرب السودانية في بذر بوادر الخلاف أيضا بين أبو ظبي والرياض حيث ردت الإمارات على مساعي ولي العهد السعودي لتسوية ووقف إطلاق النار بتكثيف “الدعم السريع” لهجماتها على مدينة الفاشر وطرد الجيش السوداني منها ما أدى لمذابح جماعية للمدنيين.
من اللافت أيضا أن الخلاف الصومالي المستجد مع الإمارات حصل بعد كشف “تحالف دعم الشرعية في اليمن” أن الإمارات قامت بتهريب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي من ميناء عدن عبر “أرض الصومال”، وهو الإقليم الانفصالي عن الصومال، الذي أعلنت إسرائيل اعترافها الرسمي به كدولة مستقلة في كانون أول / ديسمبر الماضي، وبذلك أضافت أبو ظبي “ملحا على جرح” الصومال.
أضاء هروب الزبيدي على أكثر خلافات أبو ظبي العربية أهمية والتباسا وخطورة، وهو الخلاف مع السعودية، التي بدا أنها “استنفدت صبرها” في تحمل حليفها الإماراتي المفترض في “دعم الشرعية” اليمنية، وذلك بعد أن دعم هذا الحليف التحرك العسكري الذي قاده “المجلس الانتقالي” وأدى لسيطرته في كانون أول / ديسمبر الماضي على محافظتي حضرموت والمهرة، مما شكل خطرا استراتيجيا وسياسيا على الرياض، وفجر الخلاف بين البلدين، فجمد بذلك الشراكة بينهما، ليس في اليمن فحسب، بل في كل ملفات المنطقة.
بدأت السياسة الخارجية الإماراتية بلعب أدوار في بلدان عربية باتخاذها مواقف مناهضة لثورات الربيع العربيّ التي ترافقت مع صعود حركات “الإسلام السياسي”، وأسهم الدعم السعودي لتلك السياسة في ترجيح كفّة هذا المحور القويّ، لكنّ أبو ظبي اندفعت بعدها باتجاه اتخاذ مواقف خاصة في البلدان التي تعرّضت للثورات، كليبيا واليمن والسودان وآزرت حركات الانفصال، عبر المراهنة على شخصيات مثيرة للجدل مثل محمد حمدان دقلو (حميدتي) في السودان، وخليفة حفتر في ليبيا، والزبيدي في اليمن، وتزامن ذلك مع تعزيز العلاقات مع إسرائيل.
تشير الوقائع الأخيرة إلى وصول السياسات الخارجية الإماراتية إلى مأزق واضح يفترض أن يفتح الباب أمام مراجعة كبيرة، وخصوصا بعد أن وصل الخلاف إلى السعودية، التي كانت الشريك الخليجي الأكبر للإمارات، والدولة المؤثرة في الساحة العربية والعالم، والقادرة، مع دول عربية وإقليمية وازنة وغطاء عالمي أن تشكل محورا عربيا شديد الفاعلية في المنطقة والعالم.



