مقالات

الزواج.. مسألة قرار ومسؤولية.. الجزء (1)

أديب الحاج عمر/ لبنان

خاص “المدارنت”
الزواج شرع الله في الأرض، وسُنّة كونية واجبة، من أجل تحقيق أمر الاستخلاف، مع وجوب استمرار حركة الالتزام لكل تغيير وفق ذلك الشرع وتلك السنن، والتي هي في غاية الدقة والإتقان والانتظام. وما حركة الإنسان إلا جزء بسيط يدور في فلكها، انطلاقا من حركات مادية ملموسة، كحركة الحياة والموت، وحركة التزاوج والتوالد وغيره مما نتلمس ونرى، وايضا، حركات أخرى، لا نشعر بها ولا نحسها، إنما تدفعنا إلى التساؤل، ثم إلى التفكير والاستنتاج، كي نصدر احكاما، بين الخطأ والصواب، وإن بقيت فكرة غيبية ولم يعللها العقل، فنردها إلى الارادة الإلهية وإلى قضائه وقدره، سبحانه وتعالى.

من هنا، ينطلق الكثيرون من موروث شعبي تقليدي قديم، أن الزواج قسمة ونصيب، أو من عبارة: “هذا ما كتبه الله لنا”. هذه الظاهرة الموروثة ورغم جمال التسليم فيها، فإنها ظاهرة خاطئة لأنها تدفع وتعفي الإنسان من قراراته ومسؤولياته، إذ أن الزواج مسألة اختار ثم قرار يفرض تحمل مسؤولية ما قد ينتج عنه، لأن حياتنا المعيشية إنما تنبع مما نتخذه من قرارات مع ضرورة تحملنا المسؤوليات الناتجة عنها والتي هي انعكاس لاختياراتنا. فالزواج لم يكن يوما طريقا يُساق فيه المرء دون إرادة.

لم يكن الزواج يوما مجرد عقد اجتماعي، يناله الخلل مع أي ولا بسيط، بل الزواج ميثاق غليظ، ميثاق روحي يوحٍد بين عقلين وبين قلبين، اختارا السير معا في درب الحياة، بحلوها ومرها. وما علينا إلا إظهار اسفنا لما طرأ من تغيير وخلل في مفهوم الزواج، في العقود الأخيرة من أيامنا الحالية، فقد شهد مفهوم الزواج انهيارا تدريجيا، فكثرت حالات الطلاق آخذة مناحى الخسة والدناءة والانتقام، حتى غدا الزواج لدى الكثيرين: قيد لا حرية، ومعركة صراع لا مودة ولا رحمة، وتحول إلى صفقات لا سكن ولا مشاركة.

وهكذا، تحول الزواج، في عصرنا الحالي، إلى ساحة صراع بين الزوجين، وإلى تبادل أدوار كل منهما، بدل القيام عل مبدأ التعاون والتفاهم والمشاركة بين الشريكين. إذ أن العلاقة بينهما علاقة وعي لا علاقة خصومة، ونبين لما يصدر عن وسائل التواصل الاجتماعي عن الزواج وتطبيقاته بين الزوجين من تضخيم الصورة، واخراجها بصورة الزواج المثالي المتكامل، مما الناس باتجاه المقارنة وليس الاختيار، وإلى الهروب بدل المواجهة، وإلى عدم تحمل المسؤولية أمام قراراته. إضافة إلى أن البعض فضّل العداء على الحوار، لأن العداء والمخاصمة يمنحان شعورا مؤقتا بالقوة والانتصار، بينما التفاهم والحب والمسامحة يتطلب الجرأة والاعتراف والمكاشفة. هذا الأمر من ناحية الحالة الاجتماعية وبعض المفاهيم السائدة في المجتمع.

أما من ناحية التربية البيتية وتنشءة الأجيال، فمنها ما يغيب فيها الأمان العاطفي، انطلاقا من نرجسية الاهل الذين يرون في اولادهم امتدادا لهم ولذواتهم، فلا يربونهم عل انهم كائنات بشرية مستقلة، لهم رأيهم ولهم حريتهم في التعبير والاختيار. ومن هذه التربية يدمرون فيهم القدرة والثقة الذاتية والتفكير المتوازن.، بحيث يدفعونهم ويكافؤونهم على الطاعة العمياء، لا على الصدق ولا على جرأة التعبير الحر وإبداء الرأي، فيكبرون والكبت يقتلهم، يكبرون وفي ذواتهم قلق وتوتر، يكبرون وفي داخلهم خوف من أي ارتباط. خوف من شريك يُعيدهم إلى ما كانوا عليه من مرجعية تقيدهم وتزجهم في عمق صراع ذاتي ونفسي.

ما دام الزواج قرار ومسؤولية، فيعني إنه حالة من المفاهيم الخاضعة لسنن وقوانين، خاضعة لحقوق وواجبات، خاضعة لحوار ومشاركة آراء، خاضعة لاخذ وعطاء، خاضعة لفكرة وجود آخر يشبهني.. الخ. وهذا الأمر يقودنا إلى تحقيق مفهوم واضح بيٍن يمثل أن الزواج فكر اصيل من أصول النضج الفكري الذاتي، ركيزته الأساسية تحقيق التوازن الداخلي لكل من الزوجين.

فاذ ايٍ منهما لم يتصالح مع شخصيته الماضية، وبكل ما تحمله من تربية وتوجيه، ثم العمل على ضرورة التخلص من كل جراح وتبعية عمياء، فإنه بلا شك سيعيد إسقاط ذلك الماضي على شريكه، وهذا عين الخطأ وبداية الانهيار. من هنا، نرى اليوم، كثير من البيوت تنهار ويقع الخلل فيها والخلاف، لا لأن الطرفين سيئان، بل لأنهما لم يعالجا ما يحملانه من آلام وجراح، أضف إلى غياب وعي الاهل لصالح أبنائهم واحفادهم، والأهم غياب دور المحاكم الشرعية، وما يقع فيه من خلل الانحياز لأحد الطرفين (إلا من رحم ربي)، واما لرشوة تدفع، أو لتدخل معارف نافذة، او لجهل تقليد موروث. كما ونلفت النظر إلى أن البعض يذهب إلى الزواج كوسيلة لعلاج وحدتهم، او الهروب من واقع حال بيت يضج بالسموم الأسرية، ومثل هؤلاء إنما ينتهي بهم المطاف إلى تكرار الدائرة نفسها.

وللبيان، وانطلاقا من مقولة: “إنما الكمال لله” من النادر جدا ما يتزوج الرجل امرأة كاملة في نظره، وقلما تتزوج المرأة رجلا يجسد كمال الرجل، فكثيرا ما يتنازل الرجل مدفوعا برغبة جسدية ما، وكثيرا ايضا ما تتنازل المرأة خوفا من فوات فرصة ما، وبهذا التصور تبدأ العلاقات من نقطة متوسطة بين ما نتمناه وبين ما يمكننا الحصول عليه، وهذه النتيجة تشير إلى ضرورة الأخذ بالقناعة والرضى والقبول لدى الطرفين، كي يستمرا ويتابعا رحلة زواجهما بلطف ومودة وتراحم.

هذا الأمر يعيدنا إلى أن مسألة الزواج مسألة قرار وليس قدرا، مع الاشارة، إلى أن كل شيء يسير في إطار مشيئة الله تعالى، مع التأكيد إلى أنه سبحانه أعطانا حرية الارادة والاختيار، وطلب منا السعي والاجتهاد في أن نحسن القرار ونتحمل المسؤولية، إذ لا يجوز أن نُسْقِط اخطاءنا أو سوء اختيارنا على الآخرين، أو على القدر ثم نعفي أنفسنا من المحاسبة. لقوله تعالى:
﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ النساء (79).
وهذا حديث الرسول (ص) يقول: “تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس”. إنه توجيه صريح بان إختيار كلا الزوجين لبعضهما إنما هو قرار ومسؤولية، فاثره وتبعاته لا يقتصر عليهما إنما يمتد إلى الذرية والأجيال القادمة.

وهكذا، فالحقيقة تؤكد أن حياتك أيها الرجل، تُبنى بقراراتك، وعليك تحمل نتائج اختياراتك، فكفى أن نلصق اخطاءنا بالقضاء والقدر، أو نتستر خلف فقه موروث مريض، للهروب أمام نتائج أفعالنا. ومن نداء صريح إلى دعوة تعلم فن الزواج، وإلى رفع مستوى وعينا قبل وأثناء الزواج، نتعلم أسس التعامل وفن التفاهم، نتعلم سبل تحمل المسؤوليات، نتعلم كيفية بناء أسر متماسكة متحابة. إذ الزواج ليس عقد يوقع على صفحة بيضاء، إنما مسؤولية عظيمة، يتوقف عليها بناء مستقبل الأجيال، وإضافة بيان، أن الوعي الناضج والمنفتح، يقلل من ظاهرة الطلاق، ويخفف من وطأة الخلاف والتوتر، كما أنه يُنشٍىء اسرا اقوى جسدا وأكثر استقرارا، وأثبت امنا ومودة.

هكذا هي الحياة.. الحل ليس بطلب الكمال، إنما في القناعة والرضا، في التغافل، في المسايرة، في أن ندرك اننا في هذه الدنيا، لن نحصل على كل ما نريد، إذ هناك دائما، نقصا أو عيبا فينا وفي الآخرين. فالعلاقة الزوجية الناجحة هي التي تُبنى على التقدير لا على التذمّر والتأفّف، تُبنى على القبول لا على التصحيح، تُبنى على الشكر لا على المقارنة. فالمقارنة تعتبر من اعظم أمور الخلاف بين الزوجين، وبين الناس ايضا، وهذا قوله تعالى:
﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾، طه (131).

فالزينة الظاهرة ليست معيارا للحياة الطيبة والاطمئنان فيها. فالسعادة لا تأتي من الجمال ولا من المال ولا.. بل تأتي من القلوب التي ترضى وتغفر وتتغافل.. الخ، وايضا في حسن اختيار ما يناسبك وما يشبهك، فأبحث عن الشخص الذي تستطيع أن تحبه، رغم عيوبه، وبحبك رغم عيوبك، فالحب الواعي هو الأصل في التشابه والتقبل والقدرة على التحمل دون ألم.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى