المشروع العربي وشروط الدولة المدنية.. تأملات في طريق التحرر

خاص “المدارنت”
لأني من جيل الحالمين بوطن عربي كبير موحّد، هويته عربية، وفلسطين بوصلته،
ولأني من المؤمنين بأن تحقيق هذا الحلم لا بدّ أن يمرّ أولاً عبر بناء دول تحظى بأنظمة مدنية ديموقراطية،
دول المؤسسات والقانون،
دول المواطنة والمساواة التي تحفظ حقوق الأفراد والجماعات القومية والدينية،
دول ليست دينية ولا عسكرية،
دول تحترم المعايير الدولية لحقوق الإنسان،
وتخضع لقواعد التعددية والتداول السلمي للسلطة،
ترجّح النظام البرلماني على النظام الرئاسي تفادياً لإعادة إنتاج الديكتاتورية،
نظام يقوم على مبدأ الفصل بين السلطات واستقلالها،
وتدعيم دور الأحزاب السياسية والمجتمع المدني،
وتعزيز مكانة المرأة ومشاركتها في النظام السياسي.
توسعة وقراءة معاصرة
نعود الى جوهر السؤال: لماذا لم يتحقق هذا المشروع؟ وأين ضللنا الطريق؟
لم يُجهض الحلم العربي فقط تحت وطأة المؤامرات، بل تحت سطوة أوهامنا نحن، حين توهّمنا أن الشعارات تكفي، وأن التغيير قد يتمّ من دون إعادة بناء الدولة من جذورها.
أدركنا، كما أدرك كثيرون من أبناء هذا الجيل، أن أي أفق عربي مشترك، تكاملي أو اتحادي، لا يمكن أن يُبنى على أنقاض دولٍ منهارة أو أنظمةٍ قمعية. فشرط أي مشروع عربي مستدام هو قيام دول مدنية ديموقراطية أولاً، تُجسّد قيم المواطنة والحرية وتستعيد ثقة شعوبها.
لقد كشفت السنوات الماضية أن العائق لم يكن فقط في الخارج، بل في غياب مشروع الدولة العقلانية. الدولة التي تجعل من الحرية أساساً،ومن العدالة ضامناً،ومن التعددية شرطاً للاستقرار.
نحن بحاجة إلى دولة لا تُؤسَّس لتخليد الزعيم، بل لبناء المؤسسات؛ لا تحكم باسم الطائفة أو السلالة أو الأيديولوجيا، بل باسم الشعب ولأجل مصلحته العامة.
نحن بحاجة إلى أنظمة تحترم المعايير الدولية لحقوق الإنسان، تعترف بالتنوّع داخل مجتمعاتها، وتحمي الفئات الضعيفة. أنظمة تقوم على نظام برلماني يحدّ من تغوّل السلطة، وتضمن استقلال القضاء، وحرية الإعلام، وشفافية الحكم، وتمكين المرأة كشريكة فاعلة في القرار.
إن
التجارب القاسية في سوريا، والعراق، واليمن، ولبنان، تؤكد أن الشعارات وحدها لا تصنع خلاصاً، وأن مقاومة الخارج لا تكتمل دون مقاومة الاستبداد الداخلي والتفرّد بالسلطة.
ولا معنى لمقاومة الاحتلال إذا كان الحاكم يمارس القمع داخل بلاده، ولا شرعية لأي مشروع تحرري يتجاهل أن الحرية لا تتجزأ، وأن فلسطين تظل اختباراً أخلاقياً للضمير العربي، كما تظل الدولة المدنية اختباراً لجدّيته.
لقد علّمنا الزمن أن المشاريع الكبرى، مهما بدت نبيلة، تبقى مجرد أمنيات مؤجلة إن لم تجد ما يسندها من مؤسساتٍ ذات شرعية، ووعيٍ شعبي، ونُظم حكم قابلة للمحاسبة.
إن معركة العرب اليوم ليست فقط مع الاستعمار الجديد أو التفكك الداخلي، بل مع أنفسهم: هل نحن مستعدون لبناء دول حديثة تحكمها المواطنة؟
فقط حين ننجح بذلك، يمكن لأفق عربي مشترك أن يظهر، لا كحلم رومانسي، بل كمشروع حضاري متين.
ذلك هو الطريق الأصعب، لكنه الوحيد الذي يُفضي إلى المستقبل.
نماذج تحذيرية لفشل بناء الدولة المدنية.. سوريا، العراق، لبنان
نموذج سوريا: الدولة التي تحوّلت إلى نقيض مشروعها
تشكّل سوريا، مثالاً صارخاً لتحوّل الدولة من أداة للتحرر الوطني إلى أداة لإعادة إنتاج القمع والاستبداد باسم هذا التحرر ذاته. فقد بُني النظام منذ بداياته على شعار “الصمود والتصدي”، لكنه أقام دولة أمنية مغلقة، احتكرت الوطنية، واحتقرت التعدد، واستباحت المجتمع. ومع اندلاع الثورة السلمية عام 2011، لم يجد هذا النظام ما يدافع به عن “وحدته” سوى تدمير الدولة التي يحكمها، وتشويه المجتمع الذي يستمد منه شرعيته.
لم تكن المشكلة فقط في شخص الحاكم، بل في بنية سياسية وأمنية هجينة، قامت على تغليب الولاء على الكفاءة، والطائفة على القانون، والاستقرار المزيف على الشرعية الدستورية. لقد أظهرت الحالة السورية أن الدولة غير المدنية، حتى وإن لبست لبوس القضية، لا تصمد أمام مطالب الحرية، بل تتحوّل سريعاً إلى دولة ضدّ شعبها، ومجتمعها، وتاريخها.
نموذج العراق بعد الغزو
إذا كانت سوريا، قد كشفت مأساة غياب الدولة المدنية تحت يافطة “الصمود والتصدي”، فإن العراق، أظهر كارثة تفكيك الدولة دون بناء بديل مدني ديموقراطي. فبعد إسقاط النظام العراقي على يد امريكا وتحالفها الدولي في 2003، لم يُعطَ العراقيون فرصة لبناء دولة حديثة، بل وُضعوا في نظام محاصصة طائفية قسّم المجتمع، وشرعن الانقسام بدل تجاوزه.
تحوّلت الدولة العراقية من أداة سيادة وطنية إلى ساحة صراع إقليمي ودولي، ومن مؤسسة يفترض أن تحكم باسم الشعب إلى حصص تتقاسمها المكونات الطائفية والعرقية، ما أنتج نظامًا سياسياً هشاً، وعاجزاً عن تمثيل الإرادة الوطنية الجامعة.
نموذج لبنان بعد الحرب الأهلية.. تسوية بلا دولة
يقدّم لبنان، نموذجاً ثالثاً للفشل في بناء الدولة المدنية، لكن هذه المرة في ظل “نهاية حرب”، لا في سياق إسقاط نظام أو غزو خارجي. فبعد اتفاق الطائف (1989)، كان يُفترض أن يتجه البلد نحو دولة حديثة، ديموقراطية، تُنهي نظام المحاصصة الطائفية وتستعيد السيادة الكاملة.
لكن ما جرى كان تثبيتاً لنظام طائفي، وتفكيكاً تدريجياً لفكرة الدولة، لصالح بنى موازية، سياسية ومسلّحة، تقاسمت الحكم تحت عنوان “الوفاق الوطني”.
بقيت الدولة اللبنانية، رهينة معادلة مزدوجة: نظام محاصصة يعوّق قيام مؤسسات مستقلة وعادلة، ووجود سلاح خارج الدولة “حزب الله” فرض توازن قوى مختلاً، وأدخل لبنان في صراعات إقليمية لا يحتملها.



