المصوّر الصحافي ومهنة المتاعب!

كتب نبيل إسماعيل*/ لبنان
حين كانت بطاقة الدخول تُنتزع بعد سنوات من المهنة واليوم يكفي هاتف و”سيبة”، والمقرات الرسمية ليست “استوديو” مجاني، والإعلام ليس “حدّثكم فلان وكان معكم علتان”.
لم يكن حصولي في العام 1976، في السنة الأولى من عملي، على بطاقة مصوّر صحافي تخوّلني تغطية نشاط مجلس النواب أمراً سهلاً.
كان أبو عبد الله كحيل، رحمه الله، ابن النبطية، صحافياً معروفاً ذا شخصية كاريزمية محبّبة، لا تفارقه الابتسامة وتحضر النكتة في مجالسه. عمل محرراً في جريدة «النداء» ومندوباً لها إلى مجلس النواب لسنوات طويلة، حيث نسج علاقات مهنية طيبة مع رئيس المجلس آنذاك الرئيس كامل الأسعد، والأمين العام للمجلس إحسان أبو خليل، والمستشار الصحافي محسن شرف الدين.
على مدى سنة كاملة، حاول أبو عبد الله أن يحصل لي على بطاقة تخوّلني الدخول إلى المجلس. طوال تلك الفترة، كنت ألتقط صوري من الخارج، فالتصوير في الداخل لم يكن متاحاً لكل من يحمل كاميرا، كان مسموحاً لمصورين أمضوا سنوات في المهنة، وعُرفوا لدى رئاسة المجلس والنواب والصحافة.
ولم تكن التغطية يومها كما هي اليوم، عشر دقائق أو ربع ساعة من الشرفة، ثم يُطلب من المصورين المغادرة. كنا نستطيع متابعة الجلسة والتصوير طوال انعقادها، نتجول بين النواب في قلب القاعة، نخرج وندخل، ونراقب التفاصيل الصغيرة التي تصنع أحياناً صورة أهم من الخطاب نفسه.
وحين نجح أبو عبد الله كحيل أخيراً في الحصول على بطاقتي، حملتها بفرح لا أنساه. كنت كل بضع دقائق، أمسك البطاقة وأنظر إليها. لم تكن بالنسبة إليّ مجرد بطاقة دخول. كانت اعترافاً بأنني بدأت أضع قدمي على درجة جديدة من سلّم المهنة.
أروي هذه الحكاية لأصل إلى ما أريد قوله اليوم.
قبل الحرب الأهلية، وخلالها، وبعدها، وصولاً إلى ما أسميه “فورة التفاهة” السائدة اليوم والتي أتاحها عصر مواقع التواصل الاجتماعي، كان للدخول إلى المقرات الرسمية معنى ومهابة ومسؤولية.
القصر الجمهوري، والسرايا الحكومية، ومجلس النواب، لم تكن أبوابها مفتوحة لكل من قرر صباحاً أن يطلق على نفسه صفة “صحافي أو إعلامي”.
وكانت لهذه المقرات هيبتها واعتبارها وسلطانها. للعمل الصحافي كانت له سلطته، كان العمل الصحافي نفسه أكثر تخصصاً، وكان الصحافي يحتاج إلى معرفة دقيقة بالمؤسسة التي يغطيها، صحافي القصر الجمهوري له اختصاصه، وصحافي مجلس النواب يعرف المجلس ونظامه ونوابه وتشريعاته، وصحافي السرايا يتابع الحكومة ووزراءها وآليات عملها.
وكانت الأسئلة في معظمها مهنية، والعلاقة بين الصحافيين وهذه المقرات قائمة على الاحترام المتبادل. والاحترام لم يكن يعني المهادنة. كان بينهم صحافيون نقّاد يراقبون الصغيرة والكبيرة في عمل السلطات، ويسألون ويعترضون ويحاسبون، من دون أن تتحول المهنة إلى استعراض يومي أو اصطفاف سياسي أو طائفي.
ولا أريد هنا أن أدخل في مقارنة بين الشخصيات السياسية ومستشاريها الإعلاميين في ذلك الزمن، وبين الشخصيات السياسية ومستشاريها في زمن “المواقع” فهذه ليست قضيتي، ولا هي الهدف من هذه الملاحظة.
ملاحظة كاميرتي تتعلق بالمهنة نفسها. ما يحدث اليوم يستحق التوقف عنده، وجوه ظهرت بيننا ، لا تنتمي الى مؤسسات صحافية أو إعلامية، بل الى مواقع فردية تنتحل صفة مؤسسات. وعند سؤال المستشارين عن تواجدهم عبارة يتم ترديدها “حتى ما يهاجمونا على الموقع، من دون شي عم نتهاجم”.
منشور عابر، أو هجوم على أحد مواقع التواصل، بات أحياناً قادراً على إرباك مستشار ودفعه إلى التساهل في المعايير، خشية أن يصبح هو نفسه هدفاً لتلك “المواقع”. وهكذا، وتحت ضغط تفادي الهجوم واسترضاء أصحابه، أصبحت أبواب بعض المقرات الرسمية أكثر تساهلاً في الدخول، إلى حد باتت معه هيبة المكان، وصفة من يدخله باسم الصحافة، ومعايير ممارسة المهنة داخله، موضع سؤال.
لا للتعميم. هناك مواقع ومنصات لديهم خبرة ويعمل بها العديد من الموظفين، المقصود الحالة الفردية السائدة الان. في المقرات والوزرات. ترصد كاميرتي مشهداً جديداً، أبواب تُفتح بسهولة امامهم، وعدتهم هاتف محمول و”سيبة” ثلاثية صغيرة، موقعه فردي شخصي. المشكلة ليست في الهاتف. فالهاتف أداة، وقد يصنع به صحافي محترف عملاً ممتازاً. وليست المشكلة في الإعلام الجديد، الذي فتح مساحات مهمة وغيّر كثيراً من قواعد الوصول إلى الخبر.
المشكلة تبدأ حين يصبح الظهور أمام الأهل والأصدقاء هدفاً بحد ذاته، ويصبح الوصول إلى المقر الرسمي وسيلة لصناعة صورة إعلامية فردية لا لصناعة خبر.
ويصبح الهاتف و”السيبة”، ومعهما خوف بعض المستشارين من منشور أو هجوم، وسيلة شبه مجانية لصناعة حضور إعلامي وتسويق صاحبه لنفسه، فيما تُستسهل إجراءات الدخول إلى المقرات الرسمية، وكأن مجرد الوقوف أمام أبوابها يمنح صاحبه صفة الصحافي.
يُجمع كلام من هنا، وتُلتقط معلومة من هناك، ثم تأتي اللحظة التي يبدو أنها الهدف الأساسي: يُثبَّت الهاتف فوق الحامل الثلاثي، ويقف صاحبه أمامه ليقدّم ما يسمّيه ” Stand-up “، كلام ثرثرة غير مسؤول يفتقر إلى التدقيق، ومعلومات بلا مصادر واضحة، كل تفاصيل المشهد تسويق الذات بالجملة الذهبية:
“حدثكم فلان من القصر الجمهوري”، أو “كان معكم فلان من مجلس النواب وفيلتان من السرايا الحكومي”.
المشكلة أن يصبح إنشاء موقع فردي كافياً لمنح صاحبه صفة صحافي، والأكثر إزعاجاً أن بعض هؤلاء يزاحمون صحافيين ومراسلين ومصورين أمضوا سنوات طويلة في المهنة، وكثيرا ما يتنصتون على تقارير االقنوات الإعلامية الرسمية، ثم يعيدون تقديمها على مواقعهم كأنها إنجاز شخصي أو “سبق صحافي”.
وهنا أيضاً يجب أن أكون منصفاً. لا أعمّم، ولا أقصد شخصاً بعينه. فقد أنتج الإعلام الرقمي صحافيين جدداً محترفين وموهوبين، وبعض المنصات الجديدة تقوم بعمل مهني يستحق الاحترام. القضية ليست “قديم ضد جديد”، وليست صحافة ورقية ضد هاتف محمول.

لا أحد يحتكر المهنة، ولا أحد يستطيع ادعاء أبوّتها. لكن حرية الصحافة لا تعني إلغاء معاييرها، وفتح المجال أمام الأصوات الجديدة لا يعني مساواة من أمضى سنوات يتعلم ويتحقق ويخطئ ويصحح ويصعد درجات المهنة، بمن قرر أن يمنح نفسه اللقب بمجرد إنشاء صفحة فردية وشراء هاتف وحامل ثلاثي.
مصور الصحف والوكالات العالمية، ومراسلو والقنوات،أمضى أعماراً وهم يصعدون سلّماً شائكاً. وكلما صعدوا درجة، ازدادوا إدراكاً لصعوبة المهنة ومسؤوليتها. إذا سُئلوا عن عملهم، أجابوا بتواضع ” صحافي أو مصوّر ” فيما بات اللقب اليوم عند البعض لقب مجاني يمنحه لنفسه. حين يحب ويرغب.
لذلك، ملاحظة كاميرتي ليست دعوة إلى إغلاق الأبواب، ولا إلى إعادة الصحافة إلى نادٍ مغلق، ولا إلى منع جيل قديم حق تقرير من يدخل المهنة ومن يُمنع. إنها دعوة إلى إعادة الاعتبار للمعايير.
من هيبة المقر الرسمي أن يتولى تغطية تفاصيل نشاطه اليومي إعلامي ينتمي إلى مؤسسة معروفة لها تاريخها ومكانتها، ويدرك أصول المهنة، ويعرف كيف يتحقق من المعلومة ويصوغ الخبر بمسؤولية. فالدخول إلى المقر الرسمي ليس إذناً بإذاعة أي كلام أو نشر أي معلومة من دون ضوابط، في فضاء تغيب عنه المحاسبة والمسؤولية المهنية.
دعوة إلى المستشارين والمسؤولين الإعلاميين في المقرات والوزارات، ألا يخافوا من صراخ موقع فردي يبحث عن تسويق نفسه، وألا تصبح عبارة “حتى ما يهاجمونا على الموقع” مبرراً للتراجع عن المعايير المهنية.
وأنا الذي انتظرت عاماً كاملاً بطاقة صغيرة لأدخل مجلس النواب، لا أطالب اليوم أي شاب بأن ينتظر عاماً مثلي، ولا أن يعيش التجربة نفسها.
لكنني أتمنى أن يبقى عليه أن يصعد سلّم المهنة، وأن تُدميه بعض أشواكها، وأن يتعلم قبل أن يدّعي، وأن يعرف أن بطاقة الدخول ليست هي التي تصنع الصحافي.
فالصحافة لم تكن يوماً هاتفاً و”سيبة” ومكاناً مشهوراً نقف أمامه لنقول: “حدثكم فلان”.
الصحافة مهنة، ومن حق أبواب الدولة أن تبقى مفتوحة أمامها، لا أمام ادّعائها.
مجرد رأي يصيب ويخطئ.



