متفرقات

الموضة السياسية.. و”اكسسوارات الايديولوجيا” (2 ـ 2)

فاطمة حوحـو/لبنـان

//خاص المدارنت//… كانت الأزياء الصينية بسيطة، وأكثرية الناس يخيطونها بأنفسهم، بسبب الازمات الاقتصادية، وكانت مهنة الخياطة محترمة، وكانت المهارة باقتصاد القماش واستعماله في أوجه عدة مفيدة، فكانت الاحذية داخل المنازل من القماش، بين اعوام 1954 و1983، كان يجب على الذي يريد شراء زياً، ان يحصل على تصريح بذلك، خصوصا في بداية الستينات، حيث كانت الكثير من المنتجات لا تشترى الا بتصريح، ولم يكن يحق للمواطن العادي اكثر من 3 او 4 امتار من القماش في السنة، وغالبا، كان الصينيون يشترونها في عيد الربيع، ليصنعوا منها زيا جديدا، ويخيطونها للاولاد بمقاسات اكبر من مقاساتهم الحقيقية، حتى يستطيعون ارتداءه لزمن اطول. خلال ثورة 1976، انتشرت موضة الازياء العسكرية، والتي غالبا ما كان يرتديها الشباب ولونها هو الاخضر مع حزام عسكري، واشارة “ماو” مع حقيبة خضراء، وبوند احمر على الراس، واحذية عسكرية، ومع هذا اللباس، كان “الاكسسوار” الذي يستخدمه الشباب رجالا ونساء لتجميل الزيّ الكتاب الاحمر، وذلك تجاوبا مع الموجة الايديولوجية التوحيدية في كل مظاهر الحياة.

أثرت الثورة الثقافية على المواطنين الصينين بعد ظهور دعوتها الى التخلص من كل ما له علاقة بالبرجوازية من مبادىء وثقافة وازياء ولم تعد النساء ترتدي الزي الصيني التقليدي ولا الزي الغربي واللواتي تجرأن على لباسه كانوا يغسلونه كثيرا قبل ارتدائه لكي يبدو مهترئا وحتى لا تتم معاقبتهم.

بعد الثورة الثقافية تغيرت الازياء من الاساس، في العام 97 عرض المصمم بيار كاردان في بكين تصماميمه الجرئية والمتقدمة على عصرها والتي نالت اعجاب الجمهور الصيني، الذي وان كان يرتدي السترة الماوية قبل فانه تقبل عجائب الموضة الجديدة.

ومن الامثلة على سياسة القمع التي كان يعانيها الشبان الصينيون، أنه عندما اكتسحت قصة الـ”pas d’elephant”، البنطلون ذو القَصّة الواسعة من الأسفل، جرت عليه دراسات في الصين من الناحية الاخلاقية والسياسية، واعتُبر مرتدوه مجموعة من الزعران، وكان الاساتذة يعطون تلاميذهم مقصات للتخفيف من حجم اتساعه، وتدريجيا خرج الناس من ظل الصراع الطبقي في الثمانينات، وبدأ المسؤولون في الدولة يرتدون الازياء الغربية، التي انتشرت في ما بعد في اماكن عدة من الصين، انما الكثير منها لم يكن انيقاً، بسبب جهل الصينيين لطريقة ارتدائها، مثلاً: كانوا يرتدون الزيّ الاوروبي مع حزام من الاقمشة، او يتركون القميص فوق البنطلون، وفي نهاية الثمانينات تقبلت الصينيات “الميني جوب”، وتدريجيا بدأن يرتدين التنورة القصيرة مع كنزة، وبدؤوا التعوّد، وتلاقت الموضة الشعبية مع الميول العالمية، واصبحت عروض الازياء جزء من الحياة الثقافية.

منذ العام 1990، لم تعد ماكينة الخياطة ضرورة في المنازل الصينية، لان الناس بدأوا يشترون الثياب الجاهزة، وتحوّل الخياطون الذين كانوا في حالة ازدهار، الى مصلّحي ملابس جاهزة، وأصبحت الصين من أهم صانعي الازياء في العالم ومستهلكيها. وفي المدن الكبرى، بدأت الاعلانات عن الماركات الشهيرة في الصين وفي الدول الاجنبية، وافتتحت ايضا محلات كثيرة، تبيع الثياب باثمان رخيصة. وظهر الشبان الذين يحبّون التسكّع في الاسواق، ويرددون بسعادة انه باستطاعتهم شراء ما يريدونه.

احدى المجلات المتخصّصة، اختصرت عولمة الموضة بقولها: ليس ما يُدهش في رؤية زياً أنيقاً معروضاً في بكين، كان بالأمس معروضاً في ميلانو أو باريس”.

تشبه الشباب بالنجوم والمشاهير، ودخلت الالوان الى ازياء الرجال، وبدأت النساء يلبسن فساتين الحمالات، وذات القماش الخفيف تحت المعطف، وذلك بدءًا من العام 1998 وحتى اليوم، والقماش المفضل من القطن، وحتى الكشمير، بعض الممثلات اتخذن موقفاً من لبس الفرو، مثل الممثلة “سونان لي” احتراما للحيوانات، أما “مانت شونغ”، فارتدت الازياء التراثية الصينية، مما دفع بعض النساء الى ارتداء هذه الازياء من جديد في ايامنا هذه.

أفغانستان.. إيران.. لبنان

لا يختلف الوضع في أفغانستان كثيراً، وإن كان اللباس قد تبدّل من زمن الاحتلال السوفياتي، الى حكم طالبان، وحكم الولايات المتحدة الأميركية ما بعد طالبان، الى الحكومة الحالية، فان انعكاساته كانت صارخة على المرأة الافغانية، التي تبدّلت أحوالها منذ الستينات والسبعينات الى الثمانينات، والذي يبدو أن الإرث الطالباني ما يزال قائماً، على الرغم من تجرؤ الكثيرات على الانقلاب ومقاومة السائد، فالتغيير وقع.

وتشير صور النساء الافغانيات خلال السبعينات، الى صورة مختلفة للمرأة الافغانية، التي كانت التنانير القصيرة وفساتين فرنسية ضيّقة من دون أكمام على طريقة “شانيل”، قبل ان تتلفح بـ”البوركا”، وتغطي وجهها، وتُلاحَق بالعصي والضرب من قبل “مجاهدي” طالبان، الذين فتكوا بكل المظاهر الحضارية لبلادهم.

الصورة الجديدة الافغانية، كرسها الرئيس “حامد كارزاي”، الذي ارتدى الزيّ الافغاني التقليدي، وحصل على لقب “أكثر رجال العالم أناقة على هذا الكوكب” من مجموعة “غوتشي” العالمية، لكنه لم يسلم من النقد، الذي وجهته إليه جماعة “الناس من أجل الحيوانات” الهندية، بسبب قبعته الشهيرة، المصنوعة من فرو الخراف، والمعروفة باسم “القركول”.

في إيران، لا تختلف الصورة كثيراً، على الرغم من التغيير البسيط الذي طرأ على “تشادور” الثورة الاسود، والذي ما يزال مسيطرا في المناسبات السياسية والدينية الموجهة لعامة الشعب، وتحوّل الى “monteau” أخيرا، في محاولة قام بها الرئيس الاصلاحي محمد خاتمي، قبل سيطرة المحافظين على الحكم.

أما الرجال، فلم يتمكّنوا من إعادة الاعتبار الى “الكرافات” (ربطة العنق) أو “البابيون”، التي اعتبرت مظاهر غربية “إمبريالية”، ومنع الرجال من وضعها، كما مُنع وضع “المانيكان” برأس في واجهات المحلات. ولذلك فان صورة الرجل الايراني معروفة، انها صورة عن رؤساءهم بثيابهم غير الانيقة، التي لا تعجب الغرب اطلاقاً، ولا رؤساء الدول.

 ولا يختلف “التشادور” السياسي الايراني، عن “التشادور” في المناطق التي يسيطر عليها “حزب الله” اللبناني، ففي الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت مثلاً، وحيث كل شىء تحت السيطرة، تنتشر دور الازياء الشرعية، ويستقدم مصمّمون من تركيا وغيرها، ليلبّوا الاذواق التي تزداد تعيقدا عند جمهور الحزب من الصبايا، لكن المصمّمين الذين يغيّرون الالوان والموديلات، يقفون عند حافة القيود الشرعية، فلا يتجاوزونها لكنهم يزعجونها، من دون استفزاز الحزب، الذي تجري استشارته في خطوط التصاميم. لكن “التشادور” الاسود يبقى مُهيمنا، لا سيما في التجمعات الحزبية الكبيرة، حيث صورة الحشد النسائي الرجالي موحد باللون الاسود، والربطات الصفراء على الجباه.

النازية.. الشيوعية.. الكاوبوي

كان للنازيين لباسهم العسكري المهندم، وعليه صليب النازية المعروف، المخيف للكثيرين، هذا الزيّ الذي كان يدخل الخوف الى نفوس الاوروبيين على وجه الخصوص، اثناء فترة الحرب العالمية الثانية، وتوسع الامبراطورية الاحتلالية الالمانية على يد “الفوهرر أدولف هتلر”، ومع الزمن، صار هذا الزيّ مخيفاً ومُحارباً ومنبوذاً، الا ان الأمير البريطاني “هاري”، الابن الاصغر للامير “تشارلز” والراحلة “ديانا”، ظهر في حفلة تنكريّة مرتدياً الزيّ النازي، مما أثار موجة من الاحتجاجات في بريطانيا.

أما الشيوعيين، فقد تميّزوا بوضع قبّعة “لينين” الشهيرة، و”بيريه تشي غيفارا، واطلقوا ذوقونهم على مثال “كارل ماركس” وصديقه الالماني “فريديريك انجلز”، وتحلّوا بالفولار الاحمر، وبشعار “المطرقة والمنجل”، وكانت جمهوريات الاتحاد السوفياتي، تصنع الازياء الموحدة وبكميات كبيرة جداً، تعرض في المخازن الكبرى، التي كان السياح يزورونها، فلا يجدون الا الالبسة المتشابهة في القصات والالوان الغامقة المعتّمة، التي لا يدخلها الا لون الدم، أيّ لون الثورة الحمراء.

في الولايات المتحدة الاميركية، بلاد الجينز، ظهر الرئيس الاميركي جورج بوش على طريقة اهل تكساس، قبيل اتخاذ قراره الحرب على العراق، بصورة رجل “الكاوبوي”، فارتدى “الجينز”، ووضع القبعة الشهيرة، وانتعل الحذاء الجلدي، مما زاد من شعبيته، على عكس الرئيس الذي خلفه “باراك أوباما”ن الذي تفوّق عليه الأمير البرطياني “تشارلز”، في الحصول على لقب الرجل الأكثر اناقة، فقد جرت انتقادات كثيرة له في الصحافة، بسبب ظهورة باللباس الكيني خلال احدى حملاته الانتخابية، وتحوّلت هذه الانتقادات الى مادة للتراشق الاعلامي، بين فريقه الاعلامي وفريق المرشحة أنذاك هيلاري كلينتون.

غاندي.. ومانديلا وعرفات

عُرف عن الرمز الوطني للاستقلال في الهند “المهاتما غاندي”، تقشّفه في العيش، فهو في بداياته كان يرتدي الثياب الغربية، ايّ البذلة المعروفة، ومع تصاعد نضاله من اجل الهند وفقرائها، استغنى “غاندي” عن كل ما هو غير ضروري، بما فيها الثياب، وحتى الكلام.

وعندما عاد من افريقيا، نزع عنه اللباس الغربي، لانه يوحي بالنجاح والغنى، وارتدى ثوبا ابيضا من الخام، كان عبارة عن قطعة قماش تلف بطريقة معينة، لتستر الاماكن الحسّاسة في الجسد، وكان يشجع الآخرين على ارتداء مثل هذا اللباس المتقشف، وكثيرون من الفقراء واتباعه اقتدوا به، لمقاومة التسلّط من قبل الصناعات البريطانية، واستخدام الخام المصنوع من الخيوط الهندية، وكان لباس “غاندي”ن المحاك باليدين، ضمانة لعدم استغلال العمال البريطانيين أو الهنود في المصانع الانكليزية.

أما أشهر سجين في العالم، الذي اصبح رئيساً لجنوب افريقيا، ونعني بالطبع الراحل “نيلسون مانديلا”، فقد ظهر توقه الى الحرية من خلال ملابسه، فارتدى القمصان الافريقية المعرّقة والواسعة، وهو حسب ما يقول خياطه “داماز”: مانديلا كان يختار اسلوب ملابسه بنفسه، وهو مزيج من الزيّ الغربي، لكنه صارم ومزرّر حتى العنق، ويوحي بافريقيا من خلال الصور المطبوعة على القماش، أما تفصيليته فمريحة ومواده خفيفة. كان زيّه فيه إيحاء للهوية الجديدة للوطن المقسّم.

وقد أثارت ملابس “مانديللا” غضب أصدقاءه، بسبب القمصان الواسعة فوق سراويله، لكنه كان يقول انه لا يتقبل دروسا من احد، ويقول خياطه انه “اصبح لا يستطيع تلبية طلبات مسؤولين ورجال اعمال ومجموعات ومعجبين بمانديلا، يريدون أن يرتدوا مثله”.

وكان مانديلا، أول رئيس جمهورية يتجرأ أن يظهر على الغداء مع ملكة بريطانيا “اليزابيت”، وهو يرتدي قميصاً مطبوعاً بالازهار في تموز 1966.

واشتهر الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ـ أبو عمّار، بكوفيته ولباسه العسكري، وقد ذاعت الكوفية في الآفاق باسم كوفية عرفات، وصارت رمزاً وفولكلوراً معًا،  ودليلا معنويا وسياسيا الى فلسطين. وتدل الكوفية في فلسطين على هوية التنظيم الذي ينتمي إليه الشباب. فالكوفية السمراء كتلك التي كان يعتمرها عرفات، تخصّ المنتمين الى حركة “فتح”، ويطلق عليه الكوفيــة الفتحـاوية. أما الكوفية الحمراء، فيعتمرها المنتمون الى قوى “اليسار الفلسطيني”. وأدخلت حركة “حماس” عادة جديدة الى الساحة الفلسطينية، فمنعت المحاميات من الدخول الى مكاتبهن في الوزراة، إن لم يرتدين الحجاب والعباءة.

العلاقة ما بين السياسي واللباس واضحة، فصورة السياسي اهم وسيلة من وسائل الاعلان والدعاية، ويبدو واضحا أن القادة في سعيهم الى التقرب من شعوبهم، يغيّرون صورتهم وملابسهم وطريقة تصفيف الشعر، مع تطور اهمية الصورة في الاعلام، ولذلك، نجد ان حرب الاناقة مفتوحة، وحرب تحسين الصور مستمرة، وقد تزايدت حدّتها في ظل العولمة، التي حوّلت العالم الى شاشة واحدة، والكلّ يتذكر أنه منذ لحظة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وحتى فترة قصيرة، كانت غالبية مذيعات “تلفزيون المستقبل”، لا تظهر على الشاشة الصغيرة، إلاّ “ببنس” عليه صورة الشهيد، وهي دليل على التزام خطّ معين، وتعبير عنه، هذا من دون نسيان دور وسائل التواصل الاجتماعي، في إبراز صور “سيلفي” بشعارات الأحزاب، ومع الزعيم الذي يلفت الأنظار بملابسه، سواء كانت رسمية أم رياضية، وتقليد قَصّة شعره أو اللحية، وحتى ساعته، أو الكرافات (ربطة العنق)، التي صارت في لبنان، مُعبّر عن الانتماء الحزبي والطائفي أيضاً، بين تيار وآخر.

 

 

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى