متفرقات

الموضة السياسية.. و”اكسسوارات الأيديولوجيا” (1 ـ 2)

فاطمـة حوحو/لبنـان

//خاص المدارنت//... هل من علاقة بين “الايديولوجيا” و”الموضة”؟ والمقصود هنا “la mode”  بالفرنسية أو “fashion” بالانجليزية. سؤال ثقافي مشروع بالطبع، اذا عدنا الى تفسير كلا التعبيرين، فـ”الايديولوجيا” حسب المفكر الفرنسي “أنطوان دي تريسي” هي “علم الافكار”. أما الازياء، فهي كما يتفق الكثيرون نافذة على العالم، يستطيع من خلالها المرء التعرّف على شخصية الفرد، وعلى طبيعة المجتمع الذي يعيش فيه، وهي مُعبر عن ثقافته وهويته السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، فالازياء تستوحي تصاميمها من فنون التاريخ والتراث والعمارة، ومن الطبيعة ايضا. ومن هنا نجد تلك العلاقة الجدلية، لا سيما وان الملابس عبرت عبر التاريخ عن الهوية والافكار السياسية، واستخدمت كعامل تماثل مُعبر عن الجماعات والاحزاب والعقائد والنظم.

ولتبيان هذه العلاقة الوطيدة، نستعرض بداية تاريخ الموضة في اوروبا والعالم، لا سيما في عاصمة الاناقة باريس، لننتقل الى الامثلة الحيّة، والتي نجد أصدق تعبيراتها في التجربة الصينية، في افغانستان كما ايران وفي المانيا والاتحاد السوفياتي السابق، وفي الهند كما في جنوب افريقيا، ومن الزيّ الموحد للاحزاب، الى اللباس العسكري، الى الاعلام والشالات و”الاكسوارات” المرافقة، والتي صارت بفضل “الايديولوجيا”، تجارة رابحة مئة بالمئة في كل بلدان العالم.

تاريخ “الموضة

من الصعب ايجاد تعريف دقيق، لهذا العالم اللامتناهي المسمّى “الموضة”، والذي يطال المجتمع كما يطال المزاج الفردي، ولكن يمكن القول ان الموضة هي الجديد والطريف، وهي ايضا التحدي للتقاليد والمؤشر لتطور المجتمع.

هناك مدرستان، لكل منهما نظرة مختلفة الى اللباس، البعض يعيده الى دوافع “بسيكولوجية”، والى قصة آدم وحواء، اللذان ارتكبا الخطيئة، والتي اضطرت الانسان بعدها الى اختراع اللباس ليغطي عريه، ويقدم أخصّائيون افتراضا وصيفيا اكثر، اذ يقولون ان اللباس حلّ ببساطة محلّ “الشعر” في جسم الانسان، الذي كان يفقد كثافة شعره، وبالتالي، يتعرض لتغيرات مناخية، فقرّر مقاومتها بتغطية جسده بجلود الحيوانات، ليحميه من البرد والشتاء وحروق الشمس.

وسواء صحت الفكرة الاولى أم الثانية، في النتيجة جرى اتفاق على ان للباس وظيفته، وظيفة اختلفت حين بدأت عملية تحسينه وتلوينه وخياطته، ثم ارفق بالمجوهرات و”الاكسسوارات”، وبما يميز أبناء قبيلة أو أصول جغرافية أو عائلة أو عمر أو جنس، وكانت الشعوب في الدول ذات المناخات المعتدلة، تزين لباسها بمرفقات من النبات والريش والمجوهرات المحفورة بالعظم، لإظهار الجمال والجاذبية.

في باريس، عاصمة الاناقة العالمية، كانت “الموضة” مرتبطة بالطبقة الارستقراطية، التي تميزت بلباسها عن الطبقات الشعبية، ومرآة للوضع الاجتماعي في البلاط الملكي. وعلى الرغم من ان هذه الازياء لم تكن دائما جميلة، انما كانت براقة، ومواد تصنيعها من النوع النادر واقمشتها فاخرة.

في تلك المرحلة، بدأ استعمال العطور، التي كانت في بعض الأزمنة بديلاً عن الصابون، وظهرت مساحيق التجميل، وبدت مظاهر التبرّج على النساء والرجال معاً، اذ كان الرجال ايضا يضعون البودرة على وجوههم لتبييض بشرتهم، باعتبار أن الجلد الملوّن من أشعة الشمس، هو جلد الشعب الذي يعمل في المزارع والحقول.

قبل الثورة الفرنسية بقليل، صدرت أول منشورة متخصّصة بالازياء، نشرت الكثير من الرسوم، التي مثلت ميول الموضة الباريسية للقارئات في القرى والمناطق البعيدة، وللأوروبيين، وقامت بدور اساسي في تحرير الازياء وفي تطورها لاحقا.

أول عرض للازياء في تاريخ الموضة، ظهر في القرن التاسع عشر، حين أقام المصمّم شارل فريديريك وورث، رائد التصميم الراقي عرضاً للأزياء، تولّته عارضات حقيقيات في صالونات فاخرة، حيث كانت تتجمّع النساء “البرجوازيات”.

وتشير المعلومات، الى أنه في العام 1900، كان في باريس حوالي عشرين مؤسسة للتصاميم الراقية، وبلغت في العام 1946 المئة، لكنها عادت وتراجعت الى 15.

واذا كان القرن العشرين هو زمن الاضواء، فانه أيضا زمن الموضة، التي عُرفت بكبار المصممين، من أمثال “كاشارال” و”ايف سان لوران”، وعدة مصمّمين لا يعملون سوى لنخبة من الزبائن، لكن في ما بعد، بدأت الموضة تصبح شعبية، ذلك ان اختراع الكهرباء أوجد الصناعة، التي تولّت تنفيذ الازياء الجاهزة، والتي تباع في المحلات الكبرى، ولأول مرّة، خرج الزيّ من عليائه، فبعد ان كانت ربّة العائلة تُخيطه، احتل واجهات محلات المدن الكبرى، وانتشر لاحقا في الارياف، وهذا ما غيّر وجه المجتمع كله.

سنة 1930، دخلت الموضة سوق الاعلان، فاتفقت “كوكو شانيل” والمنتج السينمائي “ساموئيل غولدن”، على إعداد الأزياء لنجوم المجتمع والفن لحساب “يونايتد ارتيست”.

بعد الحرب العالمية الثانية، في العام 1945، مالت النساء الى التغيير بالالوان والتجديد، وبدأت الموضة تستوحي من الاميركيين، واتخذت اسم “فاشن”، اي ان يكون المرء مختلفاً عن الآخرين، وابتعدت “البرجوازية” عن مفهوم مقاومة ما هو تقليدي، وتموضعت الموضة بين المجموعات الكلاسيكية، ومجموعات مخصّصة لعدد كبير جدا من الزبائن، والتي تملأ الاسواق.

في العام 1967، وصلت موضة “البلو جينز” الى فرنسا من أميركا، بعد أن أطلقه الممثل جيمس دين، وانتشر انتشارا واسعا، فهذا القماش الصلب، اصبح شعبيا، الى درجة انه صار لباساً مميّزا لكل شبان العالم اجمع، من دون تمييز بين الجنسين.

وفي السبعينات، فجّر العنصر الشبابي الفرنسي ثورته في ايار 1968، وأدت التظاهرات الطلابية الى تحرير المرأة من المفاهيم المحافظة، مما سمح للنساء بتقصير تنانيرهن فوق الركبة “الميني جوب”، يومها، قالت المصممة التقليدية “كاشاريل”: “إن الركبة بشعة ويجب أن تُخبأ”.

أما في الثمانينات، بدأت شهرة العارضات والعارضين تشعّ في سماء النجوم، وجوه تبتسم دوماً، فوق أجساد تتلوّى على الخشبات، وشيئا فشيئاً، بدأت صورهم تغطي جدران غرف المراهقين، بعد انتشارها على اغلفة المجلات العالمية، تقدمتهم “سيندي كرافورد وكلوديا شيفر”، وصارت صور العارضين والعارضات تزيح صور الفنانين العالميين، على الرغم من ان موهبتهم الوحيدة هي اجسادهم، لكنهم أثّروا على الموضة، وصارت اجسادهم النحيلة قدوة، والكل يريد التشبّه بها، وفي اواخر الثمانيينات، بدأت الموضة تجسّد حركات سياسية و”ايديولوجية”، اذ تميّزت كثير من الحركات بألبستها المختلفة والمتنوعة، لا سيما عند الشباب الغربي، الذي عرف ظواهر مثل “البانكس” و”نيو وويف”، أي الموجة الجديدة و”غوتنيك”.

وعلى سبيل المثال، نذكر المغني “روبرت سميث”، الذي اتخذ مظهرا معينا، فارتدى قمصان واسعة جدا، ووضع الماكياج، وتحلّى، وكانت له مجموعة من المعجبين يصبغون جلدهم الابيض، ويضعون على ظهورهم “الماركات”، وصارت اسماء “الماركات” والمصانع المنتجة اهم من الزيّ نفسه ونوعيته. وكان للاعلانات دور كبير في ترويج هذه البضائع، وشهدت السنوات الاخيرة من القرن العشرين، وبدايات القرن الواحد والعشرين، ظاهرة الاقبال على “الموضة” الرياضية، وماركاتها الشهيرة، التي كان يروّج لها الابطال الرياضيين في العالم، لا سيما الاحذية، حيث لم يتوان جمهور “الموضة” الرياضية، عن دفع مبالغ هائلة للحصول على حذاء رياضي من “بوما”، او “أديداس” او غيرها، واليوم صارت اسواق تقليد “الماركات” منتشرة، في الصين او غيرها، ولم تعد محصورة في الرياضة، وكذلك لم يعد الترويج للماركات يجري عبر العارضين والعارضات، وانما ايضا عبر المغنيين والممثلين عبر الشاشة الصغيرة، التي ما تزال تغزو المنازل وتحافظ على مكانتها، وعبر شبكات البيع على “الانترنت” ايضاً.

كما أن ملابس المُحجبات كان على طريقتين، الشيعية المتاثرة بإيران والتشادور، والسنية المتأثرة بجماعات الاخوان المسلمين والحركة السلفية، إن كانت تتشابه أحيانا، والرابط المشترك هو حجاب الرأس والعباءة، التي قد تكون سوداء عند الشيعة، وملونة عند السنة بالوان قاتمة لا زاهية، وسوداء مع البرقع والحجاب الأسود، الذي برز مع تصاعد تنظيم “داعش”، إن الرابط المشترك كان الحذاء الرياضي للنساء، وان اختلفت اكسسوارات الحجاب ومستلزماته.

التجربة الصينية

شكلت وحدة الزيّ هاجساً في الصين، فالسلطة الماوية كانت حريصة على بث الوانها وموديلاتها، ما قبل الثورة الشيوعية، كان هناك مثل صيني قديم يقول: “إن الصيني يرتدي لباسه جديداً ثلاث سنوات، وقديماً ثلاث سنوات، ويرقّعه ثلاث سنوات، أما الآن، فقد تغيّر هذا الزمن.

في بداية تأسيس الصين، كان المثقفون الصينيون يرغبون بارتداء الازياء الغربية، وكانت الفساتين الصينية معروفة بقصتها الضيقة الطويلة المشقوقة عن الجانب، انما تدريجيا، بدأت “ايديولوجية” البلد تتغيّر، واصبح هذا النوع من اللباس غير مقبول. بدأ الناس يحبّون تقليد ازياء الكادرات الحزبية، برز الزي على طريقة “سان يان تسينغ”، وهو عبارة عن سترة مقفلة مع اربعة جيوب، ولكونه اللباس المفضل لدى الزعيم “ماو تسي تونغ”، بدأ ينتشر لدى الشبيبة والمواطنين العاديين، وانطلاقا من زيّ “سان يان تسينغ”، صمّم اللباس ذات القبة العالية، وبعده ظهر لباس الشباب، لكنه لم يختلف عن الزيّ الماوي، واعتمد ثلاثة الوان، الازرق والرمادي والاسود.

بين الخمسينات والستينات، تأثرت الصين بالاتحاد السوفياتي، حتى على صعيد الزيّ، فانتشر معطف لينين في تلك السنوات، المؤلف من صفّين من الازرار، وجيوب ظاهرة مع حزام، وأعجب الصينيون بالازياء العسكرية السوفياتية، فارتدت النساء فساتين بالاسلوب الروسي، وهذه الفساتين تتميز بياقة مستديرة، وكُمّين قصيرين، وتنورة مع حزام على الوسط، غالباً ما تكون من القطن، وعليها زهور مطبوعة على قماشها، او مربعات او خطوط، وكانت الصين في تلك المرحلة تستورد كمية من القماش المطبوع، وتشجع الناس على شرائه، حتى سائقي “التريسيكل”، كانوا يرتدون القطن المطبوع، كان تأثر الشعب الصيني بأزياء دول اشتراكية اخرى واضحاً، لا سيما اللباس على الطريقة الالبانية، التي كانت مرغوبة شعبياً.

يتبع في حلقة ثانية الأسبوع المقبل.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى