مقالات

الهوية البصرية الجديدة لسوريا.. تزيد الأمر غموضا!

د. مخلص الصيادي/ سوريا

خاص “المدارنت”
استمعت بانتباه شديد لكلمة السيد رئيس الجمهورية (أحمد الشرع) مساء يوم الخميس، الواقع فيه: 3-7-2025، وهو يطلق في الاحتفالية الخاصة الهوية البصرية الجديدة لسوريا.
وسبق خطاب الرئيس، تحليلات عديدة على “السوشيال ميديا”، تناولت معاني الشعار الجديدة المعتمد للتعبير عن هذه الهوية البصرية، وتفسيرات مكونات هذا الطائر، وتضمنت هذه التعليقات خليطا مما يفهم ومما لا يفهم، ولقد حاولت قبل خطاب الرئيس أن أصل إلى تفسير معتمد لهذه الهوية البصرية فلم أوفق.
ثم إني حين استمعت إلى الخطاب، لم أجد الإجابة الوافية، واعتقدت لبعض الوقت أن تفسيرًا سيصدر من جهة رسمية يبيّن المعاني المقصودة من مكونات هذا الشعار، لكن حتى الآن لم أقع على أي تفسير رسمي معتمد.

1/ مما حوته “وسائل التواصل الاجتماعي”، أن الريشات الأربع عشرة لجناحي الطائر، تمثل المحافظات السورية الأربع عشرة، ولقد فاجأني هذا التفسير، لأنه تفسير طفولي فالتقسيم الإداري للمحافظات السورية، لا يجوز ولا يستأهل أن يُضمّن شعار الدولة، ذلك أن هذا التقسيم شأن داخلي غير ثابت، يخضع لاحتياجات المجتمع، فإذا كانت محافظات اليوم أربع عشرة، فهي لم تكن كذلك من قبل، وقد لا تكون كذلك في قابل الأيام، المسألة تخضع للضرورات الإدارية والتنموية، قد تصبح حلب مستقبلا محافظتين: مدينة حلب وريف حلب، قد تصبح حمص مستقبلا محافظتين، حمص، وتدمر، قد تصبح الحسكة محافظتين، الحسكة والقامشلي، المسألة برمتها لا يمكن أن تكون جزءًا من الهوية السورية، لذلك استبعدت هذا التفسير.
2/ ومما حوته وسائل التواصل الاجتماعي، أن الريشات الخمس المكونة لذنب الطائر، تمثل “مكونات الشعب السوري الرئيسية”، وهي تعبير عن التنوع والعيش المشترك ضمن وطن لا يقبل القسمة”، والحق أن هذا التفسير إن كان صحيحًا، فهو كارثي، لأنه يطرح السؤال الأهم: ما هي المكوّنات الخمسة للرئيسية للشعب السوري؟
ثم كيف نفرق بين المكوّنات الرئيسية وغير الرئيسية؟
هل هذا التقسيم أو التحديد أتى نتيجة انقسام عرقي، أم ديني، أم مذهبي، أم أن هذا تقسيم جهوي مناطقي، كأن نقول إن مناطق سوريا، خمس: الشمالية والغربية، والشرقية، والجنوبية، والوسطى.. الخ.
وكيف يكون الوطن غير قابل للقسمة، إذا كنا أقمناه أساسا على قاعدة “المكوّنات”، وليس المواطنة، ثم ما هو معيار التفريق بين المكون الرئيسي والمكون غير الرئيسي، هل الأمر يتصل بنسبة هذا المكون قياسا للمجموع العام، أم أن هناك معيارًا آخر؟
والحديث عن الجهات أو المناطق الخمسة، لا يمكن أن يكون حديثًا جادًا، لأنه لا يميّز سوريا، ولا يقدم شيئا لهويتها، ففي كل بلد خمس جهات.
ولأن هذا التفسير كارثي بكل المعاني، وهو متناقض مع التأكيد على “وطن لا يقبل القسمة”، فإني استبعدته، مفترضًا أن هناك، ولا بد تفسير موضوعي لهذا الجانب.
3/ ثم ورد في التفسير والشرح أن مخالب الطير، ترمز إلى قوة الجيش ووزارة الدفاع والأمن العام، وفيه رسالة واضحة أن حماية الوطن مسؤولية لا تهاون فيها، وهذا أيضا تحديد غير ذي معنى، لأن وزارة الدفاع وقوة الجيش شيء واحد وليس عنصرين مختلفين، ولأن الأمن العام بكل مكوّناته جزء من مكونات الأمن الوطني، ومسؤولية حماية الوطن مسؤولية الشعب السوري، لذلك كان يجب أن يكون واضحًا “مشاركة الشعب” في بناء قوة الجيش والأمن الوطني.
ويبدو غريبا هذا الإصرار على إبعاد “الشعب”، بصفته هذه من المشاركة في إقامة وبناء الجيش الوطني، عبر ما يعرف بـ”الخدمة الوطنية، أو خدمة العلم، وحين يحوّل الجيش كله إلى محترفين نكون قد نسلناه من جسده الحقيقي، وهو الجسد الذي يمده بالحياة، ويعزز روح الترابط بينه وبين الحياة العامة للمجتمع، ويشعر كل مواطن بأنه يشارك في حماية وطنه، وبأن هذا الجيش جزء منه، وأنه يحمل يقوم بـ”مهمة لها قدسيتها”، وليس مجرد وظيفة.

4/ أما تفسير النجوم الثلاثة، فليس له معنى غير الفاظ عامة (السيادة، الكرامة، الاستقلال)، وهذه في سياقها لا تقدم شيئا محددًا.
وفي إطار ما أنا ابحث عنه، لم أجد في خطاب الرئيس جوابًا، رأيت نصًا أدبيًا مفعمًا بألفاظ الفخامة والسموّ والاعتزاز، كمثل قوله إن هذه الهوية تستمد سماتها من الطائر الجارح (العقاب الذهبي)، وتنهل منه القوة والعزم والسرعة والاتقان والابتكار في الأداء.
لكنه بشأن “الهوية البصرية الجديدة”، لم أجد إجابة ولو جزئية عما يدور في الفكر والوجدان من تساؤلات.
ولقد كان مما عزز لدي هذا الانطباع، تأكيد الرئيس بأن هذا الشعار أتى ليعبّر عن السوريين جميعهم، وليمثلهم كلهم، وليمثل بلاد الشام وسوريا في بعدها الحضاري التاريخي وتطلعها المستقبلي. ولم يتبيّن لي كيف أن هذه الهوية البصرية الجديدة باتت تعبر عن السوريين جميعًا.
فهي لم تؤسس لوجه سوريا الجديدة، ولم تصدر عن جهة تشريعية تمثل الشعب السوري، وهي لم تأتِ نتاج عمل سوري جماعي، تنافست فيه نماذج ومقترحات عديدة، ثم استقر الأمر على نموذج محدد جرى اعتماده بشكل قانوني دستوري، ثم إن هذه “الهوية البصرية”، تُطرح، ولما يتحقق لسوريا بعد وحدتها الجغرافية، ولا وحدة سيادتها، ولا استقلال أرضها، ولا حتى تحديد واضح لهويتها الوطنية والحضاري، ودورها في إطار أمتها العربية، أو دورها في محيطها الإقليمي.
فجاء طرح هذه الهوية، وكأنه أولوية تسبق كل أولوية أخرى، والحق ليس كذلك، هناك عشرات الأولويات يجب السعي اليها قبل أن نصل لإنجاز هذه “الحاجة” التي لا يصح إقرارها، إلا من خلال وضع سياسي واجتماعي طبيعي.
5/ ولقد وقفت طويلا أمام صورة هذا الطائر المعتمد للهوية البصرية الجديدة “العقاب الجارح”، وكان طبيعيًا أن تستدعي صورته، صورة “صقر قريش” في العلم السوري، وأن تجري مقابلة بين الصورتين.
وإذا كان طبيعيا أن تستدعي صورة “صقر قريش” شيئًا عزيزًا من تاريخنا، فلا أدري ماذا تستدعي من الذاكرة والتاريخ صورة هذا “العقاب الجارح”.
لا أشك أن كثيرين ذكرهم هذا الشعار بالطائر الجارح “العقاب” في الدولة الألمانية، والمرفوع بعنفوان وقوة في البرلمان الألماني “البوند ستاغ”.
ولا شك أن الشعار الألماني بخطوطه المستقيمة، وزواياه الحادة وإطلالة “رأس العقاب” ولونه، ولون مخالبه، يشعر بالعنفوان والقوة والسيطرة والقسوة والحدة، وقد يشعرك بالاستبداد، وهذه المعاني متجسدة في التاريخ الألماني، فجاءت صورة العقاب هذه معبرة عن الشخصية الألمانية.
لكن الأمر ليس كذلك في الشخصية العربية الإسلامية/ الشخصية السورية، التي يجب أن تجسدها الهوية البصرية لسوريا الجديدة.
إن “صقر قريش”، بمكوناته وخطوطه الليّنة المنحنية، وزواياه، ووقفته، يعطيك بالإضافة إلى معاني العزّة والكرامة والشموخ والقوة، معاني التسامح، والتيسير، والتلاقي، والإنسانية، وهذا مما يميز تاريخنا الحضاري، ويحقق المعاني الإنسانية التي تشع بها حضارتنا. وإذا كنا نتحدث عن بلاد الشام، فإن في “صقر قريش” معاني إضافية لا تجدها في سواه.
النظرة المتبصرة لا بد أن تصل إلى حكم، بأن “العقاب” الألماني، يمثل بصدق الشخصية الألمانية، كما أن صقر قريش، يمثل بصدق الشخصية العربية السورية، لكن هذه الهوية البصرية الجديدة لسوريا، ممثلة في هذا “العقاب الفضي”، استبدلت ما هو أدنى بالذي هو خير.
لا شك أن الهوية البصرية لا تختصر بهذا الشعار، لا بد أن نجد أثرها في العلم وألوانه، والنقد، والهوية الشخصية، وجوازات السفر، وكل الأوراق والوثائق الرسمية، وفي كل هذه تبرز مفاهيم معاني، وقد نرى في كل هذا تغييرات تستدعي التوقف والتدقيق.
6/ بعد هذه النقاط التي أشرت إليها يصبح ضروريا أن نعود إلى القضية الرئيسية التي كان يفترض البحث المنهجي أن نبدأ بها، وهي مفهوم الهوية، ومفهوم الهوية في عمقه واحد بالنسبة للفرد والنوع والمجتمع، والهوية هنا تمثل باختصار المقومات التي تميز الفرد عن غيره، والمجتمع عن غيره، والنوع عن غيره، وبالتالي، حين تذكر تستدعي مجموعة من هذه المزايا والخصائص، لذلك سُميت بطاقة التعريف الشخصية بالهوية، وعبرها يعرف من هذا الشخص، وتنتهي معها كل الأسئلة المطروحة لمعرفته، أي لإزالة الجهالة التي كانت تحيط به..
أما الهوية البصرية، فهي شكل يعتمد للتعريف بالشيء، فإذا صادفت هذا الشكل عرفت المقصود منه، وهو عادة يخصّ الشركات والمنتجات، أو يخصّ ماله صبغة التسويق. فتُعرف نوع السيارة، “تويوتا”، من خلال شارتها المعتمدة، ويُعرف نوع المنتج من خلال “اللوغو”، أو نوع الملابس من البرند المعتمد من قبل الشركة.
فهل الهوية البصرية التي قدمت لسوريا الجديدة حققت هذا المعنى؟!
في كل ما قدم، ليس هناك ما يدلّ على ذلك، بل إن فيما قدم إشغال للناس عن قضايا رئيسية يحتاجونها ويحتاجها الوطن، وتمسّ هويته الحقيقية وتميز وجوده ومستقبله.
في الختام يبقى من المهم الإشارة إلى أمرين اثنين:
الأمر الأول: أن إطلاق “هوية جديدة للوطن”، خارج الآلية الديموقراطية الطبيعية، الممثلة بمجلس الشعب، وبالاستفتاءات، وبالدستور، ومستندة فقط على السلطات الاستثنائية الممنوحة للرئيس، بحكم الظروف الخاصة التي تحكم المرحلة، من شأنه أن يعرض هذه الهوية إلى خطر “التغيير بالقوة” في أي وقت قادم، وهذا يمثل خطرًا على استقرار الوطن، ومدخلا للتلاعب المتكرر بهويته.
الأمر الثاني: في كل يوم يمضي، ومع كل حدث جديد، تزداد القناعة أن هذه الحرية التي تمتع بها جميع السوريين في العهد الجديد ـ بعد أن مَنّ الله علينا بكنس النظام البائد ـ، حرية جميلة نحتاجها بعد ستين عاما من القهر والاستبداد، لكنها ليست حرية بناءة، فهي لا تتعدى حرية القول، وأن قوى “الحزب الحاكم” ممثلة بـ”الإدارة السياسية” وتشكيلاتها، تمضي في طريقها ووفق رؤيتها التي تغطي كل اتجاه، وكل الموضوعات، ولا تأخذ في الاعتبار أي رأي مهما كانت أهميته.
هذا واقع محبط، لكن ليس أمام من يملك القلم إلا أن يقول رأيه، فهذا دورنا، وهذه أمانة الكلمة، وهذا حق الوطن علينا في ترشيد عمل السلطة، وفي تبصير المجتمع بما يمر به من ظروف، وبالمقابل أمام القوى السياسية السورية، أن تشدد من عملها ونضالها سعيًا نحو حياة سياسية صحية، وحتى تعوّق أو تمنع انزلاق السلطة إلى الاستبداد، وهي نتيجة تكاد تكون حتمية مع ازدياد وتيره الاستئثار.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى