مقالات

باكستان وأفغانستان.. عودة «اللعبة الكبرى»؟


أعلن وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف، يوم الجمعة، ما سمّاه “حربا مفتوحة” على الحكومة الأفغانية معتبرا أن حركة طالبان، التي تحكم أفغانستان، “أصبحت وكيلا للهند”، وأنها “جمعت إرهابيين من شتى أنحاء العالم وبدأت بتصدير الإرهاب”.

على خلفية هذه “الحرب المفتوحة” أعلنت باكستان استهداف مواقع دفاعية لحركة طالبان في كابول وبكتيا وقندهار، وتدمير 27 موقعا للحركة والاستيلاء على 9 مواقع أخرى وقتل 133 عنصرا وإصابة أكثر من 200 آخرين.

أقر الناطق باسم الحكومة الأفغانية، ذبيح الله مجاهد، بقصف هذه المناطق، مشيرا إلى أن القوات الأفغانية تشن هجوما على نقاط عسكرية باكستانية في الجنوب، ومهددا بأن يتم استهداف العاصمة الباكستانية إسلام آباد إذا انتهكت المجال الجوي لبلاده مرة أخرى.
يمثّل الصراع الناشب حاليا بين إسلام آباد وكابول تطوّرا استراتيجيا مهما كونه يأتي بعد عقود من التحالف بين باكستان، التي ساهمت في تأسيس حركة طالبان في أوائل التسعينيات، ورحبت بعودتها إلى السلطة عام 2021 بتصريح معروف لرئيس الوزراء آنذاك عمران خان قال فيه إن الأفغان “حطموا أغلال العبودية”.

لكن ما حصل، عمليا، أن الحركة قامت بدعم نظيرتها، طالبان باكستان، التي تسعى لفصل إقليم بلوشستان عن باكستان، وإلى تقديم ملاذ آمن لمقاتليها في أفغانستان ما ساهم في تزايد أعمال العنف في باكستان منذ 2022، وإلى تصاعد هجمات الحركة والمتمردين البلوش.
ما أطلق هذه الموجة الأخيرة من الاشتباكات كان موجة هجمات وتفجيرات انتحارية استهدفت الجيش والشرطة الباكستانية وأسفر آخرها، الذي نفّذه مواطن أفغاني، عن مقتل 13 شخصا أغلبهم من أفراد الأمن.

تشن الحركة هجمات على أسواق ومساجد ومطارات وقواعد عسكرية ومراكز شرطة، كما سيطرت على أراض على الحدود، بما فيها وادي سوات، وفي داخل باكستان، وهو ما يجعلها خصما عسكريا كبيرا لسلطات إسلام آباد، فما الذي يدفع حركة طالبان الأفغانية إلى هذا التحالف الخطير، وما هو المستجد الذي يدفع إلى تحويل المناوشات بين البلدين إلى “حرب مفتوحة”، كما وصفها وزير دفاع باكستان؟

في روايته الشهيرة “كيم” التي نشرت في العام 1901، نحت الكاتب رُديارد كبلنغ مصطلح “اللعبة الكبرى” وذلك لوصف الصراع الاستراتيجي والتنافس الاستعماري بين الإمبراطوريتين البريطانية والروسية القيصرية على آسيا الوسطى، بما فيها أفغانستان خلال القرن التاسع عشر، وصوّر فيها المناورات الدبلوماسية والعسكرية التي قامت بها القوتان، والتي شملت حروبا أفغانية ـ إنكليزية.

تظهر المواجهة العسكرية المرشحة للتصاعد بين باكستان وأفغانستان عناصر مناظرة لمصطلح “اللعبة الكبرى” آنف الذكر، بدءا من الانقلاب الكارثي للعلاقة بين باكستان وطالبان من حليفين استراتيجيين إلى خصمين لدودين، وتحوّل أفغانستان، التي اشتغلت السلطات الباكستانية لعقود، لتحويلها إلى عمق استراتيجي لباكستان، إلى حليف موضوعيّ للهند، التي خاضت آخر نزاعاتها المسلّحة مع باكستان في أيار / مايو 2025.

ركزت الهند على تعزيز نفوذها في أفغانستان عبر مشروعات للبنية التحتية تجاوزت 3 مليارات دولار، كما ربطت تجارتها مع أفغانستان وآسيا الوسطى عبر ميناء تشابهار الإيراني مما أتاح لأفغانستان، وهي دولة لا شاطئ لديها، تجاوز الموانئ الباكستانية، كما تسعى الهند للوصول إلى ثروات أفغانستان من المعادن النادرة، التي هي أحد عوامل “اللعبة الكبرى” الحالية في العالم، والتي تلعب فيها الصين دورا أساسيا، وهو ما يفسّر أيضا السعي الأمريكي الحثيث للسيطرة على غرينلاند وكندا وتعزيز وجودها في القطب الشمالي، الذي يثير صراعا مع روسيا والصين.

لافت للنظر، ضمن هذا السياق العام، أن يشتدّ الصراع بين باكستان وأفغانستان، إلى هذه الدرجة الخطيرة، بالتزامن مع زيارة رئيس وزراء الهند، ناريندرا مودي، إلى إسرائيل، وإعلان بنيامين نتنياهو عن “التحالف السداسي” الذي يستهدف، كما يقول “المحاور السنية والشيعية”، وليس خافيا أن باكستان، القوة النووية، هي في منظور نتنياهو وإسرائيل، أحد هذه المحاور المستهدفة.

تتموضع إسرائيل، حسب هذا المنظور، في قلب “اللعبة الكبرى”، وما نراه من تحشيد للجيوش في البحر الأحمر والخليج العربي والمنطقة برمّتها، بهدف مهاجمة إيران، هو أيضا موجّه، في النقلة اللاحقة، ضد كل أولئك الذين تعتبرهم إسرائيل خصومها.

“القدس العربي”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى