بعض الوفاء لراحل أخلفت وعدي له.. محطات من سيرة المناضل الوطني العروبي عبد المنعم غشيم

خاص موقعيّّ “المدارنت” و”ملتقى العروبيّين”
رحل (عبد المنعم غشيم) في الأمس، في إحدى مستشفيات تركيا/ اسطنبول 01 نيسان/ أبريل 2024، رجل أعطى لوطنه وأمته معظمَ سني حياته، حتى وهو في آخر سنوات عمره، حين غدرت بجسده الأمراض وفي روحه الآلام، وضعفت قدرته على العطاء والتضحية.
أشعر بأنه من واجبي أن أشير إلى بعض صفات الراحل، وأتوقف عند بعض المحطات والتفاصيل في حياته ونضالنا المشترك، وحتى ما كان يشكل أسراراً، وفاءً له ولمرحلة من عمرنا وأحلامنا العصية، بعد أن غادر دنيانا إلى رحاب ربّ رحيم كريم.
بداية أشير، وبألم وحرقة، إلى أنه في السنوات الأخيرة، كان يلح عليَّ كثيراً جداً أن أزوره في منفاه الإجباري، كملايين السوريين، في تركيا، في مدينة اسطنبول، ولم تكن تنتهي محادثة بيننا من دون تكرار دعوته لي، وكنت قد وعدته قبل سنوات مرضي، وما حلّ بي من متاعب ومشكلات صحية أن أزوره، وكنت قد نويت، ورتبت أموري على ذلك، ولكني أخلفت الميعاد لظروف خارجة عن إرادتي.
مع كل مرة، كان يدعوني للقاء به، كان يقول تعال لنلتقي قبل أن أموت، وتكتب عني، وتنعيني، وتشير إلى مناقبي وخصالي، وهو يضحك.. ونضحك معاً، ربما بحزن وألم.
في آخر اتصال بيننا، وهو الذي بادر، تحدثنا بشكل مسهب ومطول عن قضيتنا السورية، وحال العروبيين في سوريا، وغيرها من بلاد العرب، وعما يجري في فلسطين/ غزة وكان فقيدنا متألماً وحزيناً، وغاضباً رغم هدوئه المعهود، وشكى إلي مواقف بعض من الإخوة والأصدقاء، والخذلان والخيبة، جراء ما يتعرّض له أهلنا الآن في فلسطين، وسوريا.
كان سبب آخر في اتصال له، هو إيفاء ذمته المالية تجاه “ملتقى العروبيين السوريين”، حيث تبرّع لنا بمبلغ من المال، إسهامًا منه بتغطية نفقات نشاطاتنا، في مؤتمرنا الأخير الذي عقد في 03 آذار/ مارس الماضي، وحضره معنا، وكان هذا آخر نشاط له، رغم سوء أحواله، ومرضه، وكنت قد لمتُه كثيراً على ذلك، ولم أستلم منه ما وعد به، لقناعتي ومعرفتي بأحواله وظروفه، لكنه الكريم السخي الملتزم، ومن مثله؟!
منذ عرفت الراحل في شباط/ فبراير 1982، نمت بيننا علاقة إنسانية طيبة، توطدت مع مرور الأيام، ولكنها توثقت وبشكل يومي، وأسري، في أثناء الضربة الأمنية/ الاستئصالية التي تعرض لها تنظيمنا “التنظيم الشعبي الناصري/ الفرع السوري لتنظيم الطليعة العربية”، في بداية أيلول/ سبتمبر 1986، حيث كان “قدري/ بحسب اسمه الحركي”، مع الراحل الشهيد محمد وديع شعبوق “مازن”، أول من بادر الى تطويق الضربة الأمنية في حلب، ومن ثم في عموم سوريا، قبل أن يأتي تكليف رسمي له من غالبية أعضاء اللجنة المركزية للتنظيم، ومن داخل أماكن اعتقالهم، حيث قدر لأعضاء اللجنة المركزية/ في حينها/ التنسيق بينهم بطريقة ما، وللراحلين الآخرين محمد وديع شعبوق ومحمد فريد العريان “خالد”، وكنت أنا من حمل التكليف وتسلمه من سجن حلب الى الخارج عن طريق الأخ محمد بدر الدين فتال/ أبي ياسر.
طوال تلك السنوات تحمل الراحل عناء السفر، والتجوال والمخاطرة بين المحافظات السورية وخارج القطر إلى لبنان ومصر واليونان، ومواصلة توزيع منشورات التنظيم وبياناته بالمناسبات السياسية الهامة، التي تطرح مواقفنا ورؤيتنا، وحتى زيارة المعتقلين حين سمح بذلك، وحمل معه على الدوام وثائق تنظيمية مهمة، وأخرى متعلقة بمواقف التنظيم، إضافة إلى أن كل ما يتعلق بالشأن المالي كان في ذمته وعهدته، وهو الصادق الأمين، هذا عدا عن كون منزله الصغير، حينها، على الدوام مقراً رسمياً لاجتماعاتنا وندواتنا، وحتى طباعة منشورات التنظيم، عدا عن أنها مخبأً لأرشيفنا، وفي هذا السياق لا بد لي من الإشارة بالعرفان والتقدير إلى زوجته الفاضلة التي تحملت معه عبء تلك المرحلة، وتحملتنا، وحملت مخاطرنا في منزلها الذي تركت فيه وحيدة مرات عديدة، لتأدية بعض الواجبات المتعلقة بالطباعة والنشر.
لازمت الراحل في تلك السنوات في القيادة المؤقتة للتنظيم، وفي السفر بطول سوريا وعرضها، من درعا إلى الحسكة، إضافة إلى لبنان، وحين اضطررت لمغادرة سوريا في نهاية صيف 1992، بعد السؤال عني أمنياً بتهمة التواصل مع المعتقلين وأسرهم، زارني في جمهورية مصر العربية/ القاهرة في العام 1993، وفي كل ذلك هو الشجاع الصابر، المؤمن والمناضل بصمت، من دون ادعاء أو ظهور.

في العام 2002، عندما بدأنا إعادة تأسيس تجربتنا، كان الراحل العزيز أحد أعضاء الدائرة الأولى الذين أخذوا على عاتقهم تحمل مسؤولية إعادة النهوض والبناء، مع الراحل الشهيد محمد وديع شعبوق، وآخرين، أذكر منهم الراحلون: عيسى المسالمة/ أبي خالد وتيسير المسالمة/ أبي علاء وحسين موسى النزال/ أبي عمار، ويحيى عفارة/ أبي أيمن، والتي انتهت بدخولنا في “حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديموقراطي”، واندماجنا في هيكليتيه ومؤسساته، والمشاركة في مؤتمر 2006.
في النشاط السلمي لقوى وشخصيات المعارضة في تشكيلاتها المختلفة، التي سبقت قيام الثورة، كان دائماً حاضراً وفي الصفوف الأولى، في تجمعات ساحة سعد الله الجابري، أو جلسات المحاكمات للنشطاء، أو لجان دعم فلسطين ومناهضة الحرب على العراق.
باعدت الثورة المجيدة بين أبناء تجربتنا، ومن ثم حزبنا، ولكن أخي الحبيب عبد المنعم غشيم/ أبي حسن، بقي على عهدي به، بصدقه وصواب بوصلته، وطيبة سجيته، ونبل فطرته، وكل ما حصل ما زاده إلا إيماناً وصبراً.
في السنوات الأخيرة، اتفقت معه أن أسجل بعض تفاصيل تجربتنا في سنوات الجمر والصبر، تلك المرحلة التي تحملنا فيها بإيمان وشجاعة، واقتدار، مسؤوليات مرحلة من أخطر مراحل عملنا السياسي السري، وبدأت معه ذلك، ولا تزال لدي كافة التسجيلات التي أتمنى أن يعطيني الله القدرة والصحة على تسجيلها وتوثيقها، بعد أن أصبحت ملك التاريخ والأجيال، والمهتمين.
عندما أتاني خبر رحيله، وقد اشتد عليه المرض، استرجعت شريطاً طويلاً من الذكريات ومن محطات عمرنا، الثري والخصب، وحدثت نفسي كثيراً، ولا أملك في النهاية إلا أن أقول لأخي وصديقي الراحل الكبير، في عطائه والتزامه وإيمانه:
سامحني، فقد شاءت الأقدار أن أخلف وعدي معك، باعدت بيننا الجغرافيا والحدود، ولكن الأرواح ظلت تهفو إلى اللقاء.
أيضاً، أقول له، كما توقعت مني، على عادتي مع من سبقونا إلى ديار الحق، فقد صدقت معك ومع نفسي، وكتبت أنعيك، أو أنعى نفسي، وأذكر خصالك ومناقبك، لعلي بذلك أفيك بعض حقك، وأنصفك بما تستحق.
إلى جنان الخلد والنعيم.. إنا لله وإنا إليه راجعون، أسأل الله لك المغفرة والرحمة والرضا والرضوان وأن يسكنك فسيح الجنان.
عزائي لزوجتك الكريمة وأولادك وكافة أفراد عائلتك ولكل الإخوة والأصدقاء.
سلاماً إلى روحك الطاهرة يوم ولدت ويوم مت ويوم تبعث حياً..
أخي الحبيب: إنا على فراقك لمحزونون.



