تربية وثقافة

بين العامية واللغات الأجنبية.. من يسرق العربية من أهلها؟

الكاتب وليد حسين الخطيب

“المدارنت”
ليست المشكلة في أن نتكلّم أكثر من لغة، ولا في أن نُجيد العامية بوصفها لسان الحياة اليومية، بل في أن يتحوّل هذا الأمر الطبيعي إلى بديل يُزاحم اللغة العربية الفصحى في عقر دارها، حتى يكاد يُقصيها من المشهد.

في السنوات الأخيرة، لم يعد من النادر أن تسمع جملة عربية مشروخة، تتداخل فيها كلمات أجنبية، أو تُكتب بحروف لاتينية، أو تُختصر إلى حدّ يفقدها روحها. ولم يعد هذا الأمر استثناءً، بل أصبح نمطًا سائدًا، يُمارَس أحيانًا من دون وعي، وأحيانًا بوصفه علامة على “الحداثة”.

لكن، هل الحداثة تعني القطيعة؟ وهل التطوّر يمرّ عبر محو الجذور؟
انطلاقًا من هذين السؤالين، يأتي “ماء الكلام”: رحلة ثقافية، لوليد حسين الخطيب، الذي قدّم له الأديب “الفرنكوفوني” عيسى مخلوف، ليقول لنا أن هذا النقاش لا يُخاض بوصفه معركة ضدّ العامية أو ضدّ اللغات الأجنبية، بل بوصفه دفاعًا عن التوازن. فالعامية، على أهميتها ودفئها، ليست بديلًا عن الفصحى، بل امتدادٌ لها في سياقٍ مختلف. واللغات الأجنبية، على ضرورتها في العلم والانفتاح، ليست بديلًا عن اللغة الأم، بل نافذة تُفتح منها، لا بابًا يُغلق عليها.

من هنا، تبدأ المشكلة حين يختلّ هذا التوازن. حين تصبح الفصحى غريبة في المدارس، وثقيلة في الإعلام، ومهملة في البيوت. حين يُربَّى الجيل الجديد على لغةٍ مفكّكة، لا هي عربية سليمة، ولا هي لغة أجنبية متقنة. عندئذٍ، لا نخسر لغةً وحسب، بل نخسر القدرة على التعبير الدقيق، وعلى التفكير المنظّم، وعلى التواصل العميق.

إنّ اللغة ليست حيادًا. اختيارنا للكلمات يعكس اختيارنا للانتماء. وحين نستبدل لغتنا، أو نُهمِلها، فإننا -بوعي أو من دونه – نُعيد تشكيل هويتنا على نحوٍ مختلف. والمفارقة أنّ كثيرين ممّن يبتعدون من العربية، يفعلون ذلك ظنًّا منهم أنّها عاجزة، أو معقّدة، أو غير قادرة على مواكبة العصر، في حين أنّ المشكلة ليست في اللغة، بل في طريقة تعليمها، وفي علاقتنا بها، وفي انقطاعنا عن منابعها الحقيقية.

في هذا السياق، يأتي ماء الكلام الصادر عن دار الانتشار العربي في 152 صفحة، لا ليُدين، بل ليُذكّر. ليقول أنّ اللغة التي صمدت قرونًا، واحتضنت علومًا وفلسفاتٍ وحضارات، لا يمكن أن تعجز اليوم، إلا إذا عجزنا نحن عن حملها.

السؤال إذًا ليس هل نستخدم العامية أو اللغات الأجنبية؟ بل هل ما زلنا نُحسن استخدام لغتنا الأصل؟
لأنّ الخطر الحقيقي لا يكمن في تعدّد اللغات، بل في أن نصبح بلا لغةٍ راسخة ننتمي إليها.

“أسرة التحرير”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى