مقالات

تداعيات فضيحة الأصول المالية وعقوبات الالتفاف في إيران!

د. سامي خاطر/ فلسطين

خاص “المدارنت”
تتجه الأنظار في إيران، في الأسابيع الأخيرة، نحو ملف مالي “مُعلّق” يقدَّر بنحو 94 مليار يورو، مرتبطاً بشبكات الوسطاء الماليين المعروفة باسم “التراستي”. ما يجعل القضية تتجاوز كونها مجرد خلل محاسبي، هو أن هذا التعليق لا يحدث داخل بيئة اقتصادية عادية، بل داخل نظام سياسة خارجية تُدار عبر التكيف القسري مع العقوبات الأمريكية، وعلى وجه الخصوص مع ما يتصل بعائدات صادرات النفط. في هذا السياق، تتحول أي فجوة في تحويل العملات الأجنبية إلى داخل البلاد إلى مؤشر سياسي وأمني ومالي في آن واحد.

بحسب ما جرى تداوله في إفادات رسمية، تعتمد طهران على شبكات وساطة مالية للتحايل على قيود مالية مرتبطة بالعقوبات، عبر تحصيل عائدات النفط والمنتجات النفطية وتحويلها بطرق غير مباشرة. هذا النهج — رغم أنه قد يكون وظيفياً لتخفيف أثر العقوبات على المدى القصير — ينطوي على مخاطر بنيوية: أولاً، غياب الشفافية الكاملة لسلسلة التعاملات، وثانياً، تعدد الوسطاء وتشتت المسؤوليات، وثالثاً، صعوبة التدقيق المستقل في “مسار الأموال” من لحظة التحصيل حتى الإيداع النهائي.

وعليه، فإن الحديث عن عدم تسوية تعهدات مالية كبيرة لا يمكن فهمه فقط كتأخر إداري، بل كاحتمال لخلل في “حكومة السلاسل المالية” التي تحكم منظومة الالتفاف.

تتجلى في أروقة الاقتصاد السياسي الإيراني واحدة من أبرز المعضلات الهيكلية التي تواجه الدول الخاضعة لمنظومات عقوبات دولية قاسية، حيث كشفت التصريحات الرسمية الصادرة عن البرلمان الإيراني ومنظمة التفتيش العامة عن أزمة مالية غير مسبوقة تتمثل في عدم عودة نحو أربعة وتسعين مليار يورو من التعهدات المالية المرتبطة بشبكات الوسطاء الماليين المعروفين محلياً بشبكات “التراستي”. هذه الأرقام التي أقر بها أعضاء لجنة الطاقة في البرلمان ورئيس منظمة التفتيش العامة تعكس خللاً بنيوياً عميقاً في آليات إدارة العائدات السيادية، وتؤكد أن سياسات الالتفاف على العقوبات باتت تفرز مراكز قوى موازية تستفيد من غياب الشفافية والرقابة الفعالة.

تعتمد الاستراتيجية المالية الإيرانية، في مواجهة القيود الأمريكية المفروضة على صادرات النفط، على تمرير المعاملات التجارية عبر حلقات معقدة من الوسطاء والأفراد والشركات الوهمية لتحصيل عائدات الطاقة وتحويلها. ووفقاً للبيانات الرسمية، فإن حجم التعهدات غير المسددة يتوزع بين أكثر من عشرين ألف جهة وشخصية، يتقدمهم مئات المدينين الكبار الذين تستحوذ فئاتهم العليا على حصص طائلة من تلك الأموال. وتتصدر قطاعات حيوية كبرى، مثل شركات توزيع وتكرير النفط وشركة الغاز وشركة النفط في الجرف القاري، قائمة الجهات التي أخفقت في تسوية أوضاعها المالية، مما يعكس تداخل المصالح بين المؤسسات الحكومية وشبكات الوساطة الخاصة.

تُظهر البيانات المقارنة مع تقارير منظمة البلدان المصدرة للبترول، والمعروفة اختصاراً بـ أوبك، أن حجم العائدات النفطية المقدرة منذ إعادة فرض العقوبات الأمريكية يشكل سياقاً رقمياً ضخماً، إلا أن استنزاف جزء كبير منها عبر العمولات والتخفيضات المرتبطة بعمليات التهرب المالي يضع الاقتصاد القومي تحت ضغوط مضاعفة. فالاعتماد على قنوات غير مرنة ومظلمة لتحويل الأموال لا يخلق بيئة خصبة لانتشار الفساد المستشري فحسب، بل يهدد الكفاءة التشغيلية للقطاعات الاستراتيجية كالنفط والغاز، ويؤدي إلى تبخر موارد مالية كانت كفيلة بتخفيف حدة الأزمات المعيشية المتفاقمة داخل البلاد.

استراتيجياً، تكشف هذه المعطيات عن حدود قدرة الدول المستهدفة بعقوبات اقتصادية واسعة النطاق على استدامة نماذجها المالية البديلة من دون تكبد أثمان باهظة على مستوى الحوكمة الداخلية والشفافية. إن هروب بعض الوسطاء الماليين بأموال طائلة يعكس هشاشة المنظومة الأمنية والرقابية التي تحمي هذه الصفقات السرية. وبدلاً من أن تكون هذه الشبكات أداة فعالة لتحصين الاقتصاد الوطني، تحولت في كثير من الأحيان إلى ثقوب سوداء تمتص العائدات السيادية، مما يفرض على صانع القرار في إيران إعادة هندسة بنيته الاقتصادية والبحث عن آليات أكثر مؤسسية وموثوقية لإدارة الإيرادات الخارجية في ظل بيئة إقليمية ودولية بالغة التعقيد والتحدي.

إن أكبر قيمة سياسية/ اقتصادية لهذا الكشف تكمن في قدرته على فرض اختبار مؤسسي: هل ستُفضي القضية إلى إجراءات تصحيحية تعالج جذور الفجوة، أم ستبقى ضمن نطاق “تأجيل المحاسبة”؟ كذلك، يحتاج الرأي العام ودوائر القرار إلى مصادر مستقلة خارج إطار الإعلام الداخلي لتقييم المسار الحقيقي للأموال، خصوصاً في ملفات مرتبطة بالالتفاف على العقوبات.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى