مقالات

الحراك الطلابي في جامعات أميركا ضد سياسة الدولة و”ثورة” على عبودية الفكر!

إعداد أحمد أراجه/ سوريا

خاص “المدارنت”/ هل يتحول الحراك الشبابي الطلابي الذي يجري في جامعات العالم إلى حركة طلابية منتظمة؟!
وهل تصبح الحركة الطلابية الشبابية قوة عالمية مستقلة وتتحول إلى ظاهرة؟!
هل أصبح الموقف السياسي للحراك الشعبي العالمي ثم الحراك الطلابي في الجامعات معياراً للفرز والتقييم متجاوزاً الإرتباطات الحزبية والنظريات الأيديولوجية بل وحتى المصالح الشخصية، منتمياً إلى إحقاق الحق لإنسانية الإنسان خارج الإنتماد الجغرافي والحدود السياسية؟
بهذه المقالة سنحاول أن نجيب على هذه الأسئلة الهامة حقاً.
يقول الدكتور عصمت سيف الدولة في دراسة فكرية نشرت عام 1974: “أن الحركة الطلابية ظاهرة اجتماعية فرضت ذاتها على الصعيد العالمي منذ نهاية الحرب الأوروبية الثانية.. لم يعد أحد يستطيع إنكار وجودها كظاهرة اجتماعية.. الا أن التسليم بوجودها، أي الاعتراف بالحركة الطلابية ، لم يكن نهاية المطاف بالنسبة الى ما تثيره من أسئلة وما تستدعيه من أجوبة.. كان الاعتراف بها بداية لمواجهة تلك الأسئلة مواجهة جدية، ومحاولة الإجابة عليها إجابة علمية.. ومن الطبيعي أن يكون اتساع نطاق الأسئلة التي تطرحها الحركة الطلابية وعمق الإجابة عليها كان مواكبا تاريخيا للنمو المطرد للحركة الطلابية وعمق تأثيرها في الواقع الاجتماعي . ولقد تنامت الحركة الطلابية في العالم حتى كادت أن تتحول الى ظاهرة ثورية فأصبحت الأسئلة التي تطرحها على الفكر والممارسة هي ذات الأسئلة التي تطرحها الحركات الثورية”.
اليوم، نرى خيرة الجامعات في الولايات المتحدة بخاصة. ثم في فرنسا وبريطانيا ثم في استراليا، تُقام الإعتصامات الطلابية في قلب الجامعات! وتنصب الخيام ويحضر البوليس مدرعا ومدججاً، بخاصة في الولايات المتحدة، كونها قطب عالمي كدولة، وقطب عالمي كمركز فكري لليبرالية، ونتساءل: لمن هذه الثورة الطلابية؟ إنها ليس لتحسين وضعهم التعليمي أو لإصلاح مشكلة محلية، بل لقد تجاوزوافي مطالبهم الحدود الدولية،. وتجاوزوا النظريات الأيديولوجية! بل أكثر من ذلك فقد تجاوزوا حتى انتماءاتهم الحزبية! بل تجاوزوا في مطالبهم اهتماماتهم العلمية! وتميزوا بموقف سياسي يناهض مواقف دولهم السياسية ينتصرون فيه للعدل دون الظلم وللفلسطينين أصحاب الحق ضد اسراـئيل التي وعبر أكثر من سبعين عاما كانت تزور الحقائق، وتجلعل من نفسها حملاً وديعاً يريد أن تلتهمه الذئاب العربية!
لقد كانت المفاجأة أن طليعة طلبة الولايات المتحدة، يطالبون بوقف الحرب على غزة ويطالبون بإقامة دولة فلسطينية! لا بل يطالبون بقطع العلاقات الاقتصادية بـ”إسرائيل”! إنهم أمريكيو الجنسية وفرنسيو الجنسية واستراليو الجنسية وبريطانيوا الجنسية.. وهم ليسو فلسطينين رغم أن هذا لا يلغي وجود طلبة فلسطينين وعرب من كافة الدول العربية هناك.. فكان ذلك حدثا خطيراً يهدد أمن الولايات المتحدة، (لدرجة أن يُصرح زعيم الجمهوريين بمجلس الشيوخ الأمريكي أن الإحتجاجات الجامعية حالة خطيرة، ومعاداة للسامية وهي غير مقبولة في بلادنا ).. (ولدرجة أن تستدعي إدارات الجامعات الشرطة لفك الإعتصامات، بل ويتم اعتقال 23 طالبا وطالبة من طلاب “جامعه ولاية إنديانا” إلى أجل غير مسمى، ثم وفي “جامعة بنسلفانيا” يطالبون بفك الإعتصام والخيام، وإن لم يفعلوا سيؤدي ذلك إلى فرض عقوبات، وقد اعتقل أيضاً أكثر من 100 طالب خلال فض اعتصام “جامعة نورث إسترن” في بوسطن لرفضهم الحرب الإسرائيلية في غزة، وفي “جامعة كولومبيا” تم إنشاء فريق من الطلبة لمراجعة قرار إدارة الجامعة استدعاء الشرطة ضد الطلاب المحتجين، لفض اعتصامهم ومطالبة الجامعة سحب الإستثمار بشكل كامل من “اسرائيل” ، وقد أعلنت وسائل إعلام أمريكية اعتقال أكثر من 500 طالب وطالبة خلال الإحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين بالجامعات في عموم البلاد ،. كم تم اعتقال أكثر من 69 طالبا وطالبة نصبو خياماً في “جامعة أريزونا”… إن أعرق الجامعات في الوليات المتحدة مثل “وييل”، “وهارفورد “، “ونيويورك” قد شهدت ما يمكن أن يوصف أنه “إنتفاضة طلابية” احتجاجاً على ما تفعله “إسرائيل” في حرب الإبادة على غزة… الطلاب يطلقون هتافات مثل (فلسطين حرة) و(أوقفوا الإستثمارات).. الخ.. ولا يزال عدد الجامعات في تزايد…
وفي “بريطانيا” اعتصم طلاب جامعة “UCL” في لندن تضامناً مع الجامعات الأمريكية لوقف الحرب في غزة.. وفي “باريس” نظم طلاب “جامعة العلوم السياسية” إحدى أرقى الجامعات الفرنسية وقفة احتجاجية للتنديد بالإبادة الجماعية المستمرة في قطاع غزة، وامتد الحراك الطلابي إلى “جامعة سيدني” باستراليا ينددون بجرائم الاحتلال،
ماذا حدث لنرى بعد طوفان المظاهرات الجماهيرية في العالم ضد حرب الإبادة “الإسرائيلة”، طوفانَ الحسم بالمواجهة اعتصاماً في قلب الجامعات الأمريكية والغربية! ولسان حال الطلبة المعتصمين يقول إن مستقبلنا ليس مرهونا بعدد من الكتب نحفظها ونتفوق بها، بل مستقبلنا مرهون في رفع الظلم في العالم، مستقبلنا بأن تنتصر إنسانية الإنسان في العالم، مستقبلنا يبدأ عندما يسود السلم والعدل الدوليين في العالم.. مستقبلنا حين تتوقف الحروب وينتهي الاستعمار القديم والحديث بشكليه..
تُرى كيف ننظر الآن لهذا النشاط الشبابي الطلابي الذي يجري في أمريكا خصوصاً وفي العالم عموماً ؟
هل هو ذات الظاهرة الطلابية التي تحدث عنها الدكتور عصمت، وتنبأ بها وشرح آلية تطورها كجزء من حراك إجتماعي سياسي عبرت عنه ملينيات المظاهرات في شوارع وميادين العالم، إلى حراك شبابي، ثم إلى حراك طلابي ليتبلور “حركة طلابية” لها منطلقاتها وغاياتها، وتشكل قوة مستقلة متميزة لها رؤيتها ذات الصبغة الإنسانية، حيث تنتصر دائما لإنسانية الإنسان وتدافع عن حرية وجوده ، ثم حرية تطوره التي تؤسس لحياة أفضل وحرية أشمل؟.
يقول الدكتور عصمت سيف الدولة في هذا:
“إن الشباب هم أصحاب المستقبل، المسؤولون عن حل مشكلاته المتوقعة.. وهو اختيار سليم تماما لأن المستقبل هو المجال المفتوح للإبداع الإنساني”.
“ولما كانت الحركة الطلابية حركة شبابية فان نقطة انطلاقها الفكري والحركي هي احتياجات المستقبل ، تريد أن تحل مشكلاته مستعينة بخبرة الماضي..”.
والحركة الطلابية في رأي الدكتور عصمت هي قوة رافضة، تتحدى القهر الفكري وترفض أن تُملى عليها مقولات نهائية.. وقد اختارت الحرية برفض العبودية الفكرية لمقولات تقليدية سادت بعضها ثم بادت تقريباً، كالمادية الماركسية أو الليبرالية “المثالية كفلسفة”، والتي لا زالتا تشكلان جبرية تلغي دور الإنسان أو تجعله مجرد تابعاً لا حول له ولا قوة.
يقول الدكتور عصمت سيف الدولة:
“هل ثمة ما يميز الحركة الطلابية كظاهرة اجتماعية؟ لو لم يكن ثمة ما يميز شباب الجامعات كطلاب في الحركة الاجتماعية أو الشبابية الى “حركة طلابية” لَما كان ثمة محل للخلاف الذي يدور لتفسير الحركة الطلابية..”.
“إن التصدي لتفسير الحركة الطلابية واتخاذ موقف منها، معها أو ضدها، يعني ويفترض أن هناك ظاهرة اجتماعية متميزة بأنها طلابية موجودة في الواقع وتحتاج الى تفسير.. فما الذي يميزها؟”.
“إذا كانت الحركة الطلابية لا تجد ما يميزها فكريا، فقد تكون ـ كحركة ـ مؤشرا لصعود فلسفة إنسانية متميزة.. وسنرى فيما بعد مدى صحة هذا الفرض..
وسنجد أنه هنا ـ على وجه التحديد ـ نتعرف على حركة طلابية متميزة عن حركة الشباب وان كانت منها ، ومتميزة عن حركة المجتمع وان كانت تنتمي إليه .. أي نتعرف على الخاص في نطاق العام .. ومصدر معرفتنا لا يمكن أن يكون إلا الواقع الذي يختلف الناس في تفسيره ولكن لا ينكر أحد وجوده ..”.
“الظاهرة محل الدراسة هي أن الطلاب يتحركون معا كقوة اجتماعية مفرزة ومقصورة عليهم.. انهم يحاولون أن يلعبوا دورا سلميا أو ثوريا في تطوير مجتمعهم لا بصفتهم امتداد في داخل المعاهد العلمية لقوى اجتماعية خارجية، ولكن بصفتهم قوة مستقلة بذاتها موازية للقوى الأخرى .. وينتمي الى الطلاب طلاب جدد، ويخرج من صفوفهم الخريجون، ولكن تبقى تلك الكتلة البشرية المميزة بأنها “طلاب”، متصدية لدور اجتماعي تقوم به بدون توقف على حركة القوى الاجتماعية الأخرى.. ان هذا الالتحام المستقل في قوة نشيطة واحدة هو الذي حوّل نشاط الطلاب كأفراد ومواطنين الى حركة طلابية كقوة اجتماعية.. أي حوّلهم إلى ظاهرة اجتماعية “.

المفكر العربي الراحل عصمت سيف الدولة

لكن الولايات المتحدة وعموم الغرب يواجهون بالعنف فضَّ اعتصامات الطلبة في خيرة الجامعات الأمريكية وفي غالبية الولايات بالقوة!
عجبا لماذا بالعنف والقوة؟
أليست هذه دول ديموقراطية، ومع حرية الرأي التي صرعوا رأسنا بها؟! ألم نرى رأس المرأة الطالبة تحت البسطار العسكري في قلب الحرم الجامعي؟! لعل تلك الصورة والفتاة الجامعية وهي تحت البسطار العسكري في قلب الجامعات الأمريكية، هي التي تعبر عن حقوق المرأة في أبهى صوره في الولايات المتحدة! بينما لا زالوا يتدخلون في تعديل دساتيرنا لتكون المثلية والصهيونية والإباحية الجنسية موادا نافذة وشرعية يريدون منا أن نعلمها لآبنائنا في مدارسنا لهدم قيم مجتمعاتنا! لعلها الديكتاتورية إذن، المغلفة بالليبرالية كرسالة حرية (دعه يمر، دعه يعمل، دعه ينتحر)! إنه الإستبداد الديمقراطي الذي يعمل على تعطيل حرية رأي الطلبة، تحت حجة الإلتفات لتحصيل العلم ومن ثم تحصيل وظيفة. في محاولة لمنع ظاهرة يخافون أن تتحول بالتدريج إلى عمل منظم مستقل بأفكاره عن كل القوانين والموانع التي تحد من حريتهم،، ولماذا كل هذا؟
إنه الموقف السياسي للحراك الطلابي الشبابي أو المجتمعي الرافض للظلم. الثائر لأجل كرامة الإنسان أينما وجد، وتناقضه مع السلوك السياسي للدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، يرد الديموقراطية الليبرالية إلى أصولها (المثالية) من حيث هي فلسفة تجعل الإنسان مجرد تابعاً وليس ثائراَ.. ومن هنا تكون الليبرالية كفلسفة للنظم الرأسمالية ديكتاتورية مقنعة بحكم فلسفتها التي ألغت دور الإنسان وجعلته مجر تابعاً، برغم وجود صناديق اقتراع وما شابه ذلك.
يقول الدكتور عصمت سيف الدولة:
“إن الحركة الطلابية كظاهرة اجتماعية تبرز وتتضح وتؤثر، أو تبقى كامنة، تبعا لتوافر أو عدم توافر الديموقراطية في كل مجتمع .. ففي مجتمع لا تفرض الديكتاتورية فيه قيودا على التفاعل الحر بين الناس تنشأ الظواهر الاجتماعية وتنمو طبقا للقوانين الاجتماعية التي تحكم التطور الاجتماعي، وبقدر حاجة هذا التطور للظاهرة ذاتها.. ولكن الديكتاتورية في أي مجتمع تعوق حركة التطور الاجتماعي، وتحاول شل قوانينه الاجتماعية بما تفرضه من قوانين وضعية.. فلا تكون الظواهر الاجتماعية واضحة الوجود والحركة..
إلا أن الديكتاتورية إذ تحاول بالقوة الوضعية تعطيل القوانين الاجتماعية تفشل. لأن القوانين الاجتماعية ذات حتمية تحول دون تعطيلها نهائيا وان كان يمكن للاستبداد الوضعي تعويق حركتها.. ولما كانت الديكتاتورية تجسيدا للجهل المطبق بقوانين التطور الاجتماعي، فان غباء المستبدين يحول عادة من دون معرفتهم أين وكيف تعبّر الظاهرة التي ظنوا أنها ألغيت عن وجودها.. وتكون تلك هي الثغرة القاتلة في موقفهم الغبي.. إذ لا تلبث الظاهرة الاجتماعية ان تعبّر عن حتمية وجودها بأساليب متعددة متبعة في ذلك الثغرات التي قد تكون في النظام الوضعي.. في مثل هذه الحالة قد لا نتعرف على الحركة الطلابية ظاهرة في صبغتها الأصيلة كحركة جماهيرية تناضل من اجل التطور، بل نتعرف عليها معبرة عن وجودها وفاعليتها في النشاطات الثقافية أو الرياضية أو حتى في المواقف السلبية والتهكمية .. وللطلاب بوجه خاص آلاف الأساليب للتعبير عن حركتهم.. كل هذا الى حين.. فمن حين الى آخر، وفي أول فرصة تتاح لها، تبرز كحركة طلابية متكاملة ونشيطة في ميدانها الأصيل ، الى أن تُضرب، فتتجه الى مسالك خفية حتى تحين فرصة أخرى ، وهكذا..
فعندما نفتقد حركة طلابية ظاهرة، أو نجد حركة طلابية راكدة في مجتمع ما ، أو نرى الطلاب مشغولين في أوجه من النشاط “البريء”، يكون من الخطأ الظن بأنها غير موجودة أو أنها لن تعود الى فرض تأثيرها كحركة طلابية.. كما أنه من الخطأ دائما توهم إمكان سحق الظواهر الاجتماعية وإلغاءها بالقوة الوضعية..
إن أشكالا متعددة من الصراع تدور علنا او خفية بين الظواهر الاجتماعية التي لا تخضع حركتها إلا لقوانينها الحتمية وبين القيود المفروضة عليها بالقوانين الوضعية.. ولا بد من أن تنتصر الظواهر التقدمية في النهاية.. لأن التطور التقدمي حتمي، قد يعوقه الاستبداد، ولكنه لا يستطيع أن يلغيه”.
ومن حق القارئ أن يتساءل وماذا عن الحركة الطلابية في الوطن العربي؟
أين هي من الأحداث المؤلمة في الوطن العربي وأين هي من الحرب الجارية في إبادة الفلسطينيين في غزة؟
بل لعل السؤال أعمق من ذلك ليناول وجودها من عدمه أصلاً.


يجيب الدكتور عصمت عن ذلك بقوله:

“إنما يفعلون هذا كمواطنين لا كطلاب.. فالظاهرة هنا ظاهرة اجتماعية عامة تضم الطلاب وغير الطلاب ، فهي إذن ليست ظاهرة طلابية.. إنما تكون ظاهرة طلابية عندما تكون مقصورة تكوينا وحركة على الطلاب حتى لو كانت مؤثرة ومتأثرة ومتفاعلة مع ظواهر اجتماعية أخرى..
ويصح القول ذاته بالنسبة الى الطلاب الذين يسهمون، وعندما يسهمون في الحركة الشبابية في العالم أو في أي مجتمع على حدة.. أنهم عندئذ جزء من حركة أعم تشملهم .. ونكون عندئذ أمام ظاهرة شبابية وليس أمام ظاهرة طلابية….
وهي لا تكون ظاهرة اجتماعية طلابية إلا بما يميزها وفي حدوده..
تتصدى الحركات الطلابية في المجتمعات النامية لدور البناء الاجتماعي الجاد مبتدئة من مبدأ الرفض ذاته ولكن غير متوقفة عنده.. ويرجع هذا الاختلاف الى التأثير المتبادل بين الظواهر الاجتماعية في كل مجتمع على حدة.. فمن ناحية، لا تكون الحركات الطلابية في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة الا واحدة من قوى اجتماعية نشيطة وقد لا تكون أكثرها مقدرة على النشاط ، بينما في المجتمعات النامية حيث التخلف الثقافي يشمل حركة الجماهير العريضة ، تبرز الحركة الطلابية كواحدة من أقوى وأنشط القوى المحدودة المناضلة من أجل التقدم الاجتماعي..”.
لهذا كله نتعرف على الحركة الطلابية كظاهرة اجتماعية واضحة المعالم والحركة في الدول النامية .. ونتعرف عليها مختلطة بظواهر أخرى في الدول المتقدمة ولكنها ـ في الحالتين ـ موجودة .. “.
ويتحدث الدكتور عصمت عن أين تكمن قوة الحركة الطلابية؟
“في كل المجتمعات في العالم ـ إذن ـ يثور الطلبة ولو منفردين ويتصدون لقيادة شعوبهم الى ما يريدون ، ولا يكفون عن الحركة حتى لو كف عنها الناس جميعا.. في كل المجتمعات الآن هناك حركة اجتماعية نشيطة وهي حركة طلابية، ومع ذلك فليس مصدر نموها كقوة ولا مجال نشاطها كحركة هو تلقي العلم .. بل التصدي لمشكلات المجتمع والعمل على حلها..”.
“إن الحركة الطلابية كظاهرة اجتماعية تمثل فضيحة للفكر الليبرالي.. ولا يرى الليبراليون في الحركة الطلابية إلا دليلا على انحطاط الأجيال الجديدة ونقصا في التربية المنزلية وفسادا وشذوذا… الخ.. ذلك أن الفكر الليبرالي قائم على أساس أن التطور الاجتماعي محكوم ” بقانون طبيعي “مؤداه أن مصلحة المجتمع تتحقق حتما من خلال محاولة كل فرد تحقيق مصلحته الخاصة”.
“فالطلاب ـ في منطق الليبراليين ـ يتنافسون في ميدانهم على السبق العلمي.. فالعبرة بالدرجات لا بالمعرفة..
ذلك أن الليبراليين لا يفهمون إلا المصالح الفردية والنجاح الفردي والمنافسة الفردية والرسوب الفردي..
لهذا يندهش الليبراليون من ظواهر “آخر الزمن”: اهتمام الأفراد بالتطور الاجتماعي بدلا من اهتمامهم بالتفوق الفردي .. اهتمام الأفراد بمصالح الغير بدلا من انتهاز فرصة تخلف الغير لسبقه أو سحقه.. يندهشون من الاهتمام بالمجتمع ومشكلاته سواء كان المهتمون طلابا أو غير طلاب.. وتزيد دهشتهم عندما يرون ” الأولاد “أو” العيال “يبذلون جهدهم، وفي بعض الأوقات دماءهم، من أجل قضايا اجتماعية “غير مقررة عليهم”.
“فالمسؤولون ـ بدون شك ـ هم أولائك الذين سمّموا عقول الشباب بالأفكار المستوردة وعلموهم ذلك الكلام الفارغ عن المجتمع والتطور الخ ..”.
“فما الذي انعكس في رؤوسهم فركبوها – يقول الدكتور عصمت – وأصبحوا ثائرين؟ كيف اختاروا لأنفسهم دورا اجتماعيا وسياسيا وحركيا..”.
“إن الإنسان لا يقهر الى الأبد ، وهو يتعلم جيدا من خبرته كيف يثور ضد قاهريه”.
“فكان لا بد للتمرد من أن يأتي من جانب أكثر القطاعات البشرية تحررا من عبودية الحضارة الأوروبية”.
فبرزت حركة التمرّد في أكثر قطاعات الشعوب استقلالا عن مصادر القهر وهم الطلبة.. وهكذا نشأت الحركة الطلابية طلائع ثورة عالمية ترفض أولا صنع الحياة التي لا تقيم وزنا لحرية الإنسان وإرادته”.
وهذا ما نراه الآن في اعتصامات الطلبه في جامعات الولايات المتحدة وغيرها من الدول ، هكذا تنتصر الحركة الطلابية في كل مكان للإنسان..
نعم إنها انتصار للانسان.
“… وإذا كانت الحركات الطلابية هي أول تمرد أنساني ضد الجبرية فإنهم طلائع الثورة الإنسانية الكبرى التي تحتاج إليها الإنسانية في هذا العصر غير الإنساني.. وغدا وبعد غد سينظم إليهم كل المقهورين. ولن يخدعنا عن رؤية هذا المستقبل الإنساني أن الحركة الطلابية ما تزال ناشئة تتعثر خاصة على المستوى الفكري..”.
“ولعل أول واجب على غير المنتمين إلى الحركة الطلابية أن يرفعوا أيديهم عنها. أن يتركوها تتفاعل وتنضج وتؤدي دورها التاريخي من خلال تأثيرها الحر في مجتمعها. فهي ـ أرادوا أم لم يريدوا ـ واصلة الى غايتها التقدمية”.
“وإن التعصب الفكري في الحركة الطلابية ليس الا تمردا على الحركة الطلابية ذاتها، وهو تمرد عقيم، اذ ستلفظ الحركة الطلابية المتمردين لتبقى هي..”.
“ستنجح الحركة الطلابية إذا استطاعت عن طريق الحوار الديمقراطي أن تنتهي الى وحدة فكرية، ليست أية وحدة فكرية ، بل وحدة فكرية ذات معالم تتفق مع طبيعة الحركة الطلابية ذاته…” .
“فالفلسفة الإنسانية” التي تبدأ بالإنسان منطلقا وتنتهي بالإنسان غاية هي إذن التي تتفق مع طبيعة الحركة الطلابية .. بل ان الحركة الطلابية ذاتها ليست إلا ممثلا لها…”.
ختاماً:
جميعنا يعلم ويشاهد ويرى ماذا فعل “طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023″، لقد آسقط القناع عن وجوه حكومات العالم، ففرز هذا الإنتصار القبيح عن الجميل، وأطلق كلمة الحق على لسان كل أحرار العالم ؛وتألق ذلك في اعتصامات الطلبة دفاعا عن غزة وعن فلسطين، لقد غير هذا الحدث العظيم موازين وسياسات سنرى أثرها الإيجابي قريباً رغم محاولة الولايات المتحدة ودول الغرب احتواء هذا النصر العظيم.

المصدر: صفحة الدكتور عصمت سيف الدولة/ عن منشور: الحركة الطلابية
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى