حين يفقد السلاح مبرر وجوده وتنعدم قدرة الدولة على التفاوض!

خاص “المدارنت”
لم تعد قضية السلاح خارج الدولة في لبنان؛ بنداً سياسياً قابلاً للتأجيل؛ بل أصبحت مسألة تمس جوهر فكرة الدولة نفسها وسيادتها وقرارها وموقعها في محيطها العربي والدولي؛ لأن المشكلة لم تكن يوماً مطلباً إسرائيلياً طارئاً أو نتيجة مباشرة للتصعيد الإقليمي الراهن، بل أزمة لبنانية داخلية تتعلق بازدواجية القوة وتعدد مراكز القرار؛ وما يرافق ذلك من اهتزاز في مفهوم الدولة ومؤسساتها.
من هنا؛ يصبح احتكار الدولة للسلاح شرطاً أولياً لقيام أي نظام سياسي مستقر؛ إذ لا يمكن لأي حزب أو طائفة تحت أي شعار أن تحتفظ بقوة عسكرية مستقلة؛ أو تؤسس كياناً موازياً لسلطة الدولة؛ لأن تسليم السلاح للشرعية ليس استجابة لإملاءات خارجية؛ بل أنه مطلب وطني لبناني بامتياز يهدف إلى حماية الدستور وصون السيادة؛ ومنع انهيار المؤسسات واستعادة ثقة اللبنانيين بدولتهم.
غير أن التحوّل المفصلي في هذه القضية حصل بعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000؛ وهو الحدث الذي كان يفترض أن يشكل نقطة انتقال من منطق “المقاومة” إلى منطق الدولة؛ حيث فقد السلاح بعد التحرير مبرره الأساسي المرتبط بوجود احتلال مباشر؛ وانتقل تدريجياً من كونه أداة مواجهة خارجية إلى عنصر دائم في المعادلة الداخلية، وبذلك تغيّر السؤال من الحاجة إلى “مقاومة” الاحتلال إلى سبب استمرار السلاح بعد انتهاء مهمته الأولى.
ومع مرور السنوات؛ لم يبقَ السلاح في إطاره اللبناني؛ بل ارتبط تدريجياً بمحور إقليمي، اتّسع حضوره العسكري خارج الحدود اللبنانية، عبر الانخراط في الحرب السورية؛ والساحات العراقية واليمنية وغيرها؛ وهو تحوّل غيّر طبيعة هذا السلاح من أداة دفاع عن لبنان؛ إلى جزء من شبكة صراعات إقليمية تتجاوز حدوده ومصالحه الوطنية؛ وهو ما انعكس مباشرة على علاقات لبنان العربية والدولية؛ وعلى اقتصاده وثقة محيطه به؛ فترسخ انطباع واسع بأن القرار اللبناني، لم يعد مستقلاً بالكامل، وأن الدولة عاجزة عن فرض سيادتها.
وفي الداخل اللبناني، ترافق هذا المسار مع تراجع واضح في الحياة الدستورية؛ وتعطيل متكرر للمؤسسات؛ وفرض توازنات سياسية بقوة فائض السلاح، ما أدّى إلى تهميش الديموقراطية وتعميق الانقسام الداخلي، وأصبح اللبناني يشعر بأن القرار السيادي لم يعد حكراً على الدولة؛ بل موزعاً بين سلطات متوازية؛ وهو واقع جعل الدولة أضعف في الداخل، وأقل قدرة على بناء علاقات متوازنة في الخارج.
من هنا؛ تتقاطع مسألة السلاح مع ملف المفاوضات مع “إسرائيل”، لأن الدول لا تفاوض من موقع الانقسام؛ ولا تستطيع إدارة ملفات الحرب والسلم من دون قرار سيادي موحد؛ فالمفاوضات حول الحدود أو وقف التصعيد أو الاستقرار الأمني؛ تحتاج إلى دولة تملك قرارها كاملاً، وتتمتع بثقة محيطها العربي والمجتمع الدولي؛ بينما تضع ازدواجية السلاح الدولة في موقع تفاوضي هشّ؛ وتجعل أي مسار تفاوضي ناقصاً ومقيداً.
لا بد من التمييز بين طبيعة التفاوض؛ بوصفه أداة لإدارة الصراع ووقف العدوان واستعادة الأرض والحقوق، وبين مسألة الاعتراف السياسي والتطبيع التي تبقى خياراً سيادياً؛ يرتبط بإجماع عربي أوسع؛ فالتفاوض في حالات النزاع لا يعني بالضرورة الإقرار أو التسليم؛ بل يندرج في إطار مسؤولية الدولة في حماية مواطنيها، وتأمين عودة أهالي القرى الجنوبية؛ ووقف دوامة الحرب، أما مسألة الاعتراف السياسي والتطبيع؛ فلا يمكن مقاربتها بمنطق المزايدة أو الضغوط الظرفية؛ لأن لبنان؛ ينسجم تاريخياً مع الموقف العربي الذي كرسته مبادرة السلام العربية عام 2002؛ بما يخدم القضية الفلسطينية وحقوق شعبها، وفي هذا السياق يبقى الثابت أن لبنان لن ينزلق إلى استحقاقات إقليمية منفردة؛ خارج هذا الإطار العربي الجامع.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى؛ إذ إن السلاح الذي يقدم بوصفه عامل قوة في مواجهة “إسرائيل”، يتحوّل عملياً إلى عامل يضعف قدرة الدولة على التفاوض باسم جميع اللبنانيين؛ لأن التفاوض الناجح يحتاج إلى مؤسسات قوية وقرار وطني واحد؛ وثقة خارجية؛ وهي شروط يصعب تحقيقها في ظل تعدد مراكز القوة والقرار.
وبذلك، يتضح أن أزمة السلاح؛ ليست تفصيلاً سياسياً عابراً؛ بل قضية تتصل بمستقبل الدولة اللبنانية، وموقعها في النظامين العربي والدولي، لأن استعادة الدولة لقرارها العسكري ليست مطلباً خارجياً؛ بل الخطوة الأولى لإعادة بناء الثقة واستعادة الاستقرار، وفتح الطريق أمام مفاوضات متوازنة؛ تعكس مصالح لبنان الوطنية العليا، فالدولة، لا تقوم بسلاحين ولا بقرارين؛ بل بسلطة واحدة، تحتكر القوة وتحمي الدستور وتصون السيادة وتعيد الى لبنان مكانته الطبيعية بين الدول.
* مؤسس “حركة أنصار الثورة” في لبنان



