دونالد ترامب لن يفوز أمام صناعة الأوهام!

“المدارنت”
كانت إيران، تترقب نتيجة حربها ضد “اسرائيل” بفارغ الصبر. طهران تتشوّق لتفوز في الإشتباك الذي استغرق اثني عشر يوما فقط. لعلها نالت ما أرادت وأكثر قليلا أو كثيرا.
بدت طهران، تتحيّن خاتمة القتال على نحو يفوق الخسائر والمكاسب. من أجل ذلك ما أن اتفق على اسدال الستائر على مسارح الموت، حتى نهضت طهران من تحت الانقاض مرهقة مدمّاة، لتعلن على الملأ أن الانتصار كان من نصيبها، والهزيمة أُلحقت بـ”إسرائيل”.
بدا أنّ طهران نفسها مندهشة من النتيجة التي أعلنتها هي من دون تردّد. كانت إيران وهي تبتلع هذه المحصلّة التي فاقت التوقعات، توحي بأن هذه النتيجة قد انطوت عليها أقدارها حتى قبل ان تندلع الحرب بين المعسكرين.
بدا انّ طهران، كانت تعلن ما أسفرت عنه الحرب لا أكثر ولا أقل. راحت إيران في تلك اللحظة “التاريخية” الحاسمة تكشف في العلن النتيجة التي تشكّلت في حيز الوجود حتى قبل ان تشتعل حرائق المعركة. بدا انّ ايران كانت تنقل الى”جماهيرها” الغفيرة نتيجة ما آل اليه القتال الشرس، حتى قبل ان تنشب الحرب بين الطرفين.
ألقت إيران بثقلها “النوعي” في حرب ضروس، و”انتصرت” قبل ان تبدأ المعركة. هنا بيت القصيد. لم تستسغ ايران ما تفوّه به الرئيس الأميركي دونالد ترامب عندما قال متعجبا: كيف يقول المرشد (السيد علي) الخامنئي ان ايران، انتصرت في الحرب وهي الخاسر الأكبر فيها.
أُصيب ترامب بذهول نادر جراء إعلان خامنئي، ان ايران انتصرت وهُزمت الولايات المتحدة وحليفتها “اسرائيل”. لعلّ الغضب الذي داهم ترامب حرمه من نعمة الاستمتاع العميق في نجاح القاذفة الاميركية “العملاقة” بي 2 “في تدمير المفاعل “فوردو”.
لنقل، اذا جاز التعبير، إنه يُخيّل لترامب أن خامنئي، الذي راهن على مشروعه النووي بكل ما يملك، قد مُني بهزيمة لن تقوم له بعدها قائمة. لنقل هذا، على سبيل الاحتذاء بما سبق لخامنئي ان فاجأ الايرانيين به، وهو ان الولايات المتحدة و”إسرائيل” قد تلقيا هزيمة تليق بهما على يد ايران التي انتصرت عليهما معا.
لنفترض ايضا ان هناك نموذجين اميركي وإيراني، يقابل احدهما الآخر، والاثنان يزعمان ان الطرف الآخر قد هُزم، بما لا يرقى الشك الى ذلك. وبعيدا عن الحقائق الموضوعية التي اسفرت عنها الحرب بالنسبة الى الطرفين، يبقى القول إن القدرة على الظن، والذهاب بعيدا في اختراع الحقائق في الذاكرة، والاصرار على ذلك، أمر يفوق بقوة الاقتناع، الحقائق التي لا يُشك بصدقيتها.
الدليل على ذلك ان كل من زعم وهو على حق، ان القصف الاميركي على “فوردو”، قد دمّر المفاعل تدميرا قاطعا، بدا عاجزا عن إقناع خامنئي بذلك. حتى لو اجتمعت الملائكة والشياطين وجهابذة العالم لمحاولة إقناع خامنئي بزيف معلوماته، فإنهم لن يفلحوا على الاطلاق.
ماذا لو ثبت أن مفاعل فوردو قد أصبح أثرًا بعد عين، وهذا هو الارجح، وفقا للأكثرية الساحقة من الخبراء؛ فإن شيئا لن يتغير في إيران على هذا الصعيد.
لعلّ ما يسمّى حقائق بالنسبة الى أصحاب الحل والربط في ايران، لا ينطوي على الحقيقة. الحقائق الموضوعية في عرف النخب الحاكمة هناك، أمر يخضع بالضرورة القصوى لما يمكن تعريفه “بمؤسسة الاوهام والمبالغات والظن بالشيء بما ليس فيه”.
المبالغة التي اساسها الوهم أو الاستيهام او تشكيل ضرب من الحقائق لا اساس لها، لا تقتصر على كونها مفردات فقط يجزي التلاعب بها في مناسبات محددة. ثمة مؤسسة غير منظورة تتلقف هذه المبالغات، وبعضها ممجوج، تعيد قراءة هذا المحتوى لتحدّد في نهاية المطاف ما اذا كان يصلح لإعادة انتاجه في سياق المبالغة. هذا ما حصل على الارجح، لدى إقدام خامنئي، بثقة وإصرار وقناعة على التأكيد ان القصف الذي نفذه دونالد ترامب، لم ينل من مفاعل فودرو، وان واشنطن وتل أبيب قد خسرتا الحرب.
بناء على هذا “النموذج” بالتحديد قد يجنح خامنئي الى قراءة اعلان ترامب بفوزه في الحرب على ايران. اتهمت طهران واشنطن بالكذب والمبالغة. اتهمت واشنطن طهران بالكذب والمبالغة. المحصلة ان الطرفين يستخدمان النموذج عينه لإدانة الآخر. لعلّ طهران استدرجت هنا واشنطن لإظهار مواهبها في المبالغة القصوى. نجحت ايران في مسعاها ولربما أُسقط في يد واشنطن.
أقرّت طهران. رغم انوف الجميع، انّها انتصرت في هذه الحرب المكلفة جدا. من ناحيتها، أُصيبت واشنطن بقشعريرة المفاجأة جراء الموقف الايراني. ولا تزال تسائل هذا الموقف الذي رأت فيه واشنطن تباشير حرب جديدة، أخذت تتراكم عناصرها ومحفزاتها لتشتعل حرائقها بعد حين. لعلّ ترامب أحسّ بخيبة امل ثقيلة الوطأة لدى سماعه الامين العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، إن التدمير الاميركي المرعب لم يتمكن على الارجح من سحق كامل للمفاعل فوردو. كانت الضربة قوية جدا غير أنها لم تُسكت المفاعل.
ومع ذلك، يُلاحظ ان هناك توجها لدى ايران، وتحديدا لدى وزير الخارجية عباس عراقجي، يفيد بأن طهران ماضية في استكشاف آفاق الاشتباك “السيكولوجي” بين دونالد ترامب والمرشد خامنئي. هنا قد يبلغ الطرفان حافة الهاوية، اذا ما اقتربا حثيثا من مواطن في اللغة قد تبدو أخطر من ساحات القتال. في الواقع لم يعد في حوزة ايران أدوات كافية لمجابهة حامية. من هنا افتتحت طهران جولة جديدة من الاصطدام باللغة من خلال تأكيد خامنئي ان ايران، انتصرت في الحرب وأقامت احتفالات صاخبة للاحتفال بالنصر.
هل يعني هذا التوجه الوعر ان طهران باتت تعتمد الاسلحة الفتاكة للغة في احتكاكاتها المرتقبة ضد واشنطن؟ الأرجح نعم حتى اشعار آخر. ولا ترى طهران ضيرا في ذلك خصوصا بعدما أثمر إعلان خامنئي، غيظا لدونالد ترامب وإغضابا حادا له.
نجح المرشد نجاحا باهرا، في الأغلب، في استثمار نموذج قلب الحقائق واستخدامها دفاعات صلبة بوجه الرئيس دونالد ترامب. ان هذا اللعب بالمفردات يتخطى المفردات نحو العبث بدلالاتها. والنتيجة أن هذه اللغة المحملة بدلالات مختلفة، ومبالغات من الوزن الثقيل وثقة كبرى بقدرة هذا “النهج” على اجتراح الأعاجيب، قد فعلت فعلها في الحرب الايرانية الاميركية/ “الاسرائيلية”. لا بأس في ذلك اذا كان من شأن المبالغات وأوهام الانتصار تفادي الحروب والدمار واشباح الموت.
انتصرت ايران في حرب الكلام، بينما تتهم اميركا و”اسرائيل” بالكذب وتزوير الحقائق.
أليس غريبا امر هذا المنطق؟ في غاية الغرابة الى الحد الذي يجعلنا نعتقد ونصدق ونؤمن بأن الحرب لم تقع بين هؤلاء، الثلاثة لا في المكان ولا في الزمان.



