مقالات

رسائل صمود من السجون الإيرانية: إرادة الحديد وخفوت الخوف!

د. مصطفى عبد القادر/ سوريا

خاص “المدارنت”
مقدّمة استراتيجية في هندسة القمع وتآكل الردع
تكشف التقارير الميدانية المستقلة ومتابعات مراكز الرصد الدولية عن فشل ذريع للمنهجيات القمعية التي تعتمد عليها الثيوقراطية في طهران لفرض الهيمنة واحتواء الاحتقان الاجتماعي المتراكم. فبدلاً من أن تفلح موجات الإعدامات الممتدة وأحكام السجن الطويلة في كسر إرادة المعارضين وإخضاع الشارع، أفرزت هذه السياسات نتائج عكسية تماماً؛ تتمثل في تصاعد حالة التحدي الممنهج من خلف الأسوار، وتحول السجون الإيرانية إلى منصات متقدمة لرفض المشروع السياسي الحاكم وإعادة إنتاج شرعية الغضب الشعبي الذي يسعى لتغيير الجذور وليس فقط تعديل السلوك.

إن الاعتماد المفرط على الحلول الأمنية البحتة يعكس أزمة بنيوية تعاني منها السلطة التي أصبحت تفتقر إلى أي رصيد شعبي أو أفق سياسي مستدام. ونتيجة لذلك، تتحول المعتقلات تدريجياً إلى بؤر توتر لا يمكن السيطرة عليها، حيث يواجه المعتقلون السياسيون آلة القمع بإرادة صلبة ترفض الانكسار، مما يؤدي إلى تآكل متسارع في هيبة النظام وقدرته على الردع النفسي والميداني.

صمود بريسا كمالي.. تجسيد إرادة المرأة الإيرانية
تتجسد هذه الحالة النضالية بأجلى صورها في الرسالة المدّوية التي وجهتها السجينة السياسية بريسا كمالي من زنزانتها في السجن المركزي في يزد. فقد عكست كلماتها تجاوز حاجز الخوف الإنساني الأولي والوصول إلى مرحلة الاستعصاء الثوري؛ حيث أكدت بوضوح أن سياسات الترهيب وتوسيع نطاق العقوبات الجائرة لن تفلح إلا في مضاعفة العزم الجماهيري على تقويض أركان الاستبداد. وتأتي هذه الرسالة لتؤكد أن الوعي الميداني بات يتعامل مع التهديد بالموت كضريبة حتمية لتغيير المعادلة السياسية برمتها.

إن نبرة التحدي التي حملتها رسالة كمالي تعبر عن تحول عميق في نفسية جيل كامل من الشباب الإيراني الذي بات يدرك أن الصمت لا يضمن النجاة، وأن المواجهة هي الطريق الوحيد لاستعادة الحقوق المسلوبة. هذا الصمود الفولاذي يعري ادعاءات السلطة بقدرتها على ضبط المجتمع، ويؤكد أن جذوة المقاومة تزداد اشتعالاً كلما اشتدت قبضة الحديد والنار.

المسار الاعتقالي والتنكيل المنهجي
لا تفصل القراءة الاستراتيجية بين مضمون رسالة كمالي وبين المسار الاعتقالي القاسي الذي تعرضت له منذ اعتقالها في مدينة أصفهان عام 2024 بتهم ذات طابع سياسي، وصولاً إلى قرار نقلها المفاجئ في عام 2025 إلى سجن يزد بهدف عزلها ومضاعفة الأعباء النفسية والجسدية عليها. إن ممارسات حرمان المعتقلين من الرعاية الطبية وتقييد الاتصالات تترجم حجم الذعر الهيكلي الذي تعاني منه الأجهزة الأمنية إزاء أي صوت معارض يخرج من المعتقلات، مما يدفع السلطات إلى استخدام النفي والتعذيب المبطن كأدوات ردع متهالكة.

هذا التنكيل الممنهج لا يقتصر على الأفراد، بل يستهدف كسر البنية المعنوية للحركات المعارضة؛ غير أن الواقع يثبت يوماً بعد يوم أن هذه الإجراءات التعسفية لا تحقق سوى تعميق الهوة بين الشارع والسلطة، وتعزيز التضامن المجتمعي مع السجناء الذين يتحولون إلى رموز وطنية تلهم الأجيال الصاعدة وتدفعها نحو الانخراط الفاعل في صفوف المقاومة.

دلالات الغضب وتهاوي استراتيجية شراء الوقت
تؤكد المعطيات المستقاة من تفاصيل القضية أن السلطة السياسية في طهران تستخدم شبكة العقوبات والإعدامات لمحاولة شراء الوقت وتأجيل حتمية السقوط الميداني؛ غير أن امتداد الوعي المعارض من مجزرة عام 1988 وحتى انتفاضة يناير يبرهن على أن آلة القمع فقدت قدرتها على الإنتاج الردعي. إن تمسك السجناء السياسيين بشعارات إسقاط المنظومة الثيوقراطية يكشف عن عمق الشرخ بين تطلعات الشارع الإيراني وبين البنية الحاكمة العاجزة عن تقديم أي أفق سياسي أو اقتصادي مستدام.

إن محاولات الهروب للأمام عبر تصعيد القمع الداخلي أو استغلال التوترات الإقليمية لم تعد تجدي نفعاً في ظل وعي شعبي متنامٍ يرفض الاستكانة. وكلما تمادت السلطة في سياسات الإعدام والتنكيل، كلما اقتربت لحظة الحقيقة التي ستدفع فيها الثيوقراطية ثمن عقود من القمع والاستبداد المنظم.

المسؤولية الحقوقية وحتمية التحرك الدولي
تُحتم هذه الوقائع الميدانية على المجتمع الدولي والمنظمات الأممية المعنية بحقوق الإنسان مغادرة مربع الصمت والبيانات الإنشائية الباهتة. إن استمرار الانتهاكات الجسيمة بحق المعتقلين والنساء السياسيات في السجون الإيرانية يستوجب فرض آليات ردع ديبلوماسية وحقوقية واضحة، وإرسال لجان تحقيق مستقلة للوقوف على الأوضاع الكارثية داخل المعتقلات وضمان سلامة المحتجزين.

إن الدعم السياسي الحقيقي لحرية الشعوب يبدأ من توفير الغطاء الحقوقي الصارم وتجريم آلات القتل المعتمدة من قبل الأنظمة الشمولية. فالصمت الدولي لا يفعل سوى تشجيع السلطات على ارتكاب المزيد من الفظائع، بينما يفرض الواجب الإنساني والأخلاقي الوقوف بحزم إلى جانب الشعب الإيراني وتطلعاته المشروعة في بناء مستقبل ديمقراطي حر.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى