مقالات

زيارة الجنوب.. حين تعود الدولة إلى تخومها المنسيّة!

وليد حسين الخطيب/ لبنان

خاص “المدارنت”
لم تكن زيارة رئيس مجلس الوزراء اللبناني، د. نوّاف سلام الجنوب اللبناني، مجرّدَ جولة “بروتوكولية”، تُضاف إلى سجل الزيارات الرسمية، بل جاءت محمّلة بدلالات سياسية ووطنية… تتجاوز زمنها القصير، وتلامس جوهر السؤال اللبناني القديم الجديد أين تقف الدولة من أطرافها، وأين تقف الأطراف من الدولة؟
الجنوب، الذي لطالما كان مرآةً مكبّرة لأزمات لبنان وتناقضاته، كان على موعدٍ مع الزيارة بوصفها حدثًا ذا رمزية مضاعفة، لا سيّما أنها شملت قرى تماس وحدود، من ضمنها كفرشوبا وكفر حمام – وللأسف لم تكن شبعا، القرية المتضرّرة بالنصر، ضمن جدول الزيارات رغم أنها أم العرقوب، فهل لأن أهلها لا يستحقّون؟ أعتقد ذلك – كفرشوبا البلدة التي تختصر في جغرافيتها معنى السيادة المؤجَّلة، وفي يومياتها معنى الصمود الصامت.
حضور رئيس الحكومة إلى هذه المساحة تحديدًا، وفي هذا التوقيت بالذات، لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي الضاغط، ولا عن الداخل اللبناني المثقل بالانهيارات. فالجنوب ليس خزان تضحيات وحسب، بل هو أيضًا مختبر دائم لصدقية الدولة وقدرتها على الإمساك بخطاب السيادة والتنمية معًا، لا أحدهما دون الآخر.
في هذا الإطار، برزت أهمية الكلمات التي ألقاها رئيس الحكومة في القرى التي زارها. لم تكن كلمات عابرة أو إنشائية، بل جاءت مشدودة إلى لغة الدولة، ومحمّلة بمحاولة إعادة وصل ما انقطع بين المركز والأطراف. فقد تحدّث عن الجنوب – وعن علاقته به أيام كان مع المقاومة الحقيقية – بوصفه جزءًا أصيلًا من الكيان اللبناني، لا هامشًا يُزار عند الضرورة، ولا ساحة تُستحضر عند الخطر وحسب. هذا الخطاب، وإن كان لا يُقاس بنيّاته بل بترجمته العملية، إلا أنه يكتسب وزنَه من كونه صدر في مكان اعتاد أن يسمع الوعود أكثر مما يرى الأفعال.
أما كفرشوبا، فقد شكّلت المحطة الأشد دلالة. فالقرية التي تقع على تماس مباشر مع الاحتلال، والتي ما زالت أراضيها عرضة للانتهاك، تحوّلت خلال الزيارة إلى منصة لتأكيد معنى الانتماء للوطن والولاء له لا لجهة إقليمية أو دولة أخرى، بعيدًا من الشعارات الجوفاء. إن الوقوف في كفرشوبا – تحديدًا – هو وقوف عند سؤال السيادة في أنقى صوره: سيادة الأرض، وسيادة القرار، وسيادة كرامة الناس الذين يعيشون في ظل القلق الدائم!
أمّا حضور النائب إلياس جرادي – نائب الأطباء وطبيب النوّاب برتبة فلاح الذي تقلّد وشاح الإنسانية من تربة الجنوب وقريته إبل السقي – فلم يكن تفصيلًا عابرًا في مشهد الزيارة. فوجوده إلى جانب رئيس الحكومة، في هذه الجولة تحديدًا، حمل رسالة سياسية واضحة، مفادها أن التمثيل النيابي لا يُختصر بالمواقف الإعلامية أو بالاصطفافات الموسمية، بل يُقاس بالحضور في الميدان، حيث الناس وهمومهم، وحيث تختبر المواقف صدقيتها. إن الأمل بأن يكون النائب الفلاح حيث أُريدَ له أن يكون، يتغذّى من لحظات كهذه تضع المسؤول أمام امتحان الموقع لا الخطاب فقط.
الزيارة، في مجملها، أعادت طرح سؤال العلاقة بين الدولة ومواطنيها في الجنوب هل هي علاقة طمأنة موسمية، أم بداية مسار جدي يعيد الاعتبار للتنمية، والخدمات، والحضور المؤسساتي؟ الكلمات التي قيلت تفتح باب الأمل، لكنها في الوقت نفسه ترفع سقف التوقعات، لأن الجنوب لم يعد يكتفي بالاعتراف الرمزي، بل يطالب بحقوقه الكاملة، بوصفه جزءًا لا يتجزأ من الكيان اللبناني.
في الخلاصة، يمكن القول أن زيارة رئيس الحكومة أرض الجنوب، خصوصًا قرية كفرشوبا، كانت زيارة ثقيلة المعنى، خفيفة الزمن. نجحت في إعادة الجنوب إلى واجهة الخطاب الوطني، لكنها تبقى في حاجة إلى ما هو أصعب من الزيارة: إلى سياسات تثبت أن الدولة لا تكتفي بالحضور حين تشتد الرمزية، بل تبقى حين يحين وقت الفعل.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى