سوريا إلى الأبد..!

“المدارنت”..
حينما انتفض الشعب السوري، ضد نظام الإجرام الأسدي سنة 2011، رفع إعلام النظام وأزلامه شعارهم الشهير: ” الأسد أو نحرق البلد ”، وقبله كان شعارهم: ”حافظ الأسد قائدنا إلى الأبد“، وبمحصلة اربعة وخمسين سنة من حكم بيت الأسد لسوريا، تؤكد كل الممارسات والأحداث والوقائع والسلوكيات أنهم كانوا يعتبرون سوريا ملكا شخصيا لهم يتوارثونه إلى الأبد.
تلك هي القاعدة الثابتة التي تعاملوا بها وعلى أساسها مع شعب سوريا، وكل ما تملكه من مقدرات وإمكانيات، ثم جاء السقوط السريع لنظام بشار الأسد، وهروبه المتخاذل المخزي، ليثبت إنعدام اي ولاء للوطن وتاريخه ومقدراته لدى أفراد ذاك النظام المتهاوي، إن التخلي الفوري عن أيّ مسؤولية تجاه الوطن بل تجاه الدولة ومؤسساتها من قبل رأس النظام وأعوانه الكبار وازلامه في كل مواقع المسؤولية؛ يبين تلك العقلية التي تتحكم برؤوسهم، ويتحكمون بها بالشعب السوري وبسوريا ذاتها: أرضا وبشرا وتاريخا ومستقبلا:
عدم إلتزامهم بأيّ مسؤولية تجاه من يحكمونهم ويتحكمون بهم، فهؤلاء من ضمن ممتلكاتهم الشخصية، وهم أحرار في التصرف بما يملكون، كمن تعرضت سيارته لاضرار جسيمة فيتركها أو يبيعها ”للكسر”.. فلتذهب إلى الجحيم..
العارفون بطبيعة هذا النظام الساقط, لم يكونوا بحاجة إلى كل تلك الأحداث الدامية التي عاشها الشعب السوري، خلال العقدين الأخيرين من حكم بشار, ليدركوا طبيعته الوظيفية وحقيقة الدور المرسوم له والمناط به تحقيقه في سوريا، وفي المشرق العربي كله.
فمنذ الايام والشهور الاولى لحكم بيت الأسد، ظهرت بوضوح تلك العقلية في خطابهم السياسي وتعاملهم مع مؤسسات الدولة ومقدراتها، وعلى سبيل المثال فقد كانت عوائد بيع النفط السوري تدخل في حساباتهم الشخصية مباشرة، ولا تدخل في ميزانية الدولة، وكان الاسد الأب، يتصرف بها بإعتبارها حقا مكتسبا له، ليس حساب النفط فقط، بل دخل الاسد وأخوه وابناؤه وأقاربه المباشرون في كل ممتلكات الدولة ومواردها كمالكين أساسيين، حتى في كل نشاط إقتصادي وإستثماري وتجاري وخدماتي في سوريا، ومعها ومن خلالها، حتى أصبحوا من كبار الاثرياء الذين يستحوذون على النسبة الأكبر والقدر الأعلى من كل مقدرات البلد..
هذا في جانب وحيد في مجال المال والأعمال والإقتصاد..
وفي الجوانب الحياتية الأخرى، لم يكن الأمر مختلفا، فحتى البشر ملك لهم أو خدم عندهم ينبغي عليهم الطاعة التامة دونما اي إعتراض او حتى سؤال، وما إنتهاك اعراض مئات البنات السوريات من قبل أبناء بيت الأسد، دونما أي إعتبار أخلاقي او حتى إنساني، إذ كان يكفي أن يعجب أحدهم بفتاة، حتى يبعث عناصره الأمنية لجلبها إليه، أو تقتل إذا رفضت الإمتثال ويضيق على أهلها او تقتل ويهجرون..
وعلى مستوى بناء الدولة ورسم سياستها العامة، فقد كانت تزكية العصبية المذهبية وإستخدامها جسر عبور وأداة للتسلط والتحكم ولتصبح فيما بعد مادة للقتل والترويع والإنتقام، لم تكن سياسة الاسد الأب في إعتماد أبناء الطائفة العلوية ككادر بشري يتصدر مشهد الحياة العامة في سوريا، ويمسك كل مقاليد السلطة والنفوذ ليس فقط في أجهزة الأمن والجيش والمخابرات، بل حتى في كل سلطة ومؤسسة رسمية ومدنية وإدارية؛ لم تكن تلك السياسة حبًا بالعلويين او ولاء لمعتقداتهم ومصالحهم او غيرة على حياتهم وحرصا على تنميتها ورفاهيتها؛ بل كانت لإستخدامهم وقودا له ولنظامه في حروبه المصيرية للسيطرة والتحكم، وإمتلاك مصير سوريا وشعبها إلى الأبد.
كان الاسد، محتاجا إلى تلك العصبية المذهبية وإلى تغذيتها بإستمرار لتكون أداته في تثبيت حكمه الوظيفي، وتمكينه من أداء المهمات المطلوبة منه أو تلك التي إختارها لنفسه ونظامه، وهي عصبية لم يكن بحاجة إليها مطلقا لو كان يريد بناء نظام وطني في خدمة سوريا، وتطورها ومنعتها وتقدمها، أحداث كثيرة بيّنت للكثيرين حتى من أبناء الطائفة العلوية, كم كان نظام الأسدين، الأب والإبن، كاذبا في تزكيته للعصبية المذهبية حريصا على تجييشها وتجييرها لحماية مكتسباته الشخصية، ودوره ومهمات نظامه، ولعل محطات أربعة تثبت كم كان إستغلال الاسد للعصبية المذهبية مصلحة شخصية وليست مطلبا وطنيا أو إهتماما ورعاية للطائفة.
1/ الإنتفاع من السلطة: لم يكن هذا متاحا إلا لافراد بيت الاسد وأقربائهم المباشرين، ومن يلزم كقوة تسهم في تكريس هيمنتهم وإمتلاكهم للشعب والوطن والدولة، لا يتجاوز عدد هؤلاء الذين انتفعوا من النظام وبدعمه إلا أقلية قليلة جدا من العلويين الذين كانوا يؤدون أدوارا عسكرية أو أمنية في حماية النظام وقمع الناس، في حين ان الغالبية الساحقة من أبناء الطائفة، لم يحصلوا على أيّ إمتيازات أو مكتسبات، فبقيت مناطقهم مهملة وبقي الفقر واضحا في غالبيتهم مع أنهم هم الذين قدموا خبرة أبنائهم وشباهم ضحايا دفاعا عن النظام وإجرامه..
2/ التوريث: حينما بدأ الأب بتحضير خليفة له، إختار إبنه البكر باسل، وسخر كل أجهزة الدولة لتدريبه وإعداده ليكون الوريث، مما أثار إعتراض قيادات علوية بارزة في النظام، كانت من اركانه وحماته ومن المقربين والمخلصين جدا لحافظ الاب، وعلى رأس هؤلاء اللواء علي حيدر، فما كان من الرئيس إلا أن أقاله فإستقال، فلو كان صادقا في ولائه الطائفي لما أصر على توريث إبنه، وعندما توفي باسل، أصرّ على إعداد إبنه الثاني بشار، ليكون رئيسا بل مالكا لسوريا كلها، وحينما مات الاب، لم يكن عمر بشار يسمح له بتولي الرئاسة حسب الدستور، فتم تعديله في سويعات، ليتولى بشار الذي لا يملك أيّ مواصفات قيادية أو ثقافة سياسية بشهادة وزراء عملوا معه في الحكم..
3/ وحينما إنطلقت قوات الفصائل المسلحة من إدلب، واستولت على حلب اولا، لم يكن هم بشار، سوى نقل أكبر قدر من الاموال السائلة والذهب والممتلكات النفيسة إلى روسيا، تمهيدا لمغادرته سوريا، متخليا عن مصير ابناء طائفته على الاقل، ولا نقول متخليا عن مسؤولياته الوطنية حيال سوريا، وشعبها لأنه لم يكن يوما يفكر فيهما او يهتم بهما وبمصيرهما، أنقذ نفسه وأمواله، وهرب، تاركا من قاتلوا ودفعوا أثمانا بالغة دفاعا عنه، يواجهون مصيرهم المجهول..
4/ وحينما إهتزت ركائز نظامه؛ سلّم البلاد كلها للتدخل الأجنبي، يحتمي به من شعبه، إستقدم الميليشيات الإيرانية، بكل ما تحمله من مشروع شعوبي حاقد وأحلام إمبراطورية توسعية، وأدوات عصبية مذهبية لتخرب مجتمع سوريا، فوق كل تخريب تفوقت فيه ادوات النظام..
ثم إستعان بالتدخل الروسي، لتضاف قوة إحتلالية أخرى، أسهمت بفعالية وحقد إستعماري في تدمير وتخريب أجزاء كبيرة من سوريا..
فكان ان أصبح رئيسا صوريا شكلا، يأتمر بأمر الحرس الإيراني والقوات الروسية، وأصبحت مقدرات سوريا، ومرافئها مستباحة لهم، ولأميركا، التي صنعت ميليشيات كردية في مناطق النفط والفوسفات والغاز، تستأثر بها بالتنسيق مع النظام ذاته، مما يجعل كل كلامه عن المقاومة والممانعة مفرغا من أي مضمون فعلي..
فهل يستحق مثل هذا الرجل منصب رئاسة الجمهورية العربية السورية، التي تحتل موقعا إستراتيجيا في قلب الوطن العربي والعالم، وتمتد في حضارة التاريخ آلاف السنين; مما جعلها محور صراعات وأطماع وأخطار دولية وإقليمية تحتاج إلى قيادات عظيمة ملتحمة بالقوى الشعبية لحمايتها من تلك الأخطار!
اما في تعامل نظام الأسدين مع بقية الشعب السوري، فترتقي إلى مستوى العداء الحقيقي والإستعباد، ففي كل محطات سوريا، لم تتوقف مجازر النظام العشوائية ليس فقط بحق كل منتقد أو معارض أو رافض بالقهر والوصاية والإذلال، بل طالت المدنيين والأبرياء بتهم ملفقة احيانا ومن دون تهم او محاكمة احيانا أخرى، ومجزرة حماة وسجون المخابرات في عهد الأب، والبراميل المتفجرة وحرب الإقتلاع والتهجير والإبادة في زمن الولد، يعرفها العالم كله..
وطيلة ثلاثة عشر عاما من عمر الإنتفاضة الشعبية، كان أسلوب النظام الاوحد هو القتل والتقتيل والقتال ضد كل من يفكر حتى للحظة بالمطالبة بحق من حقوقه كمواطن أو حتى كإنسان، بل حتى ضد من لم يظهر أيّ معارضة او مساءلة بل فقط لأنه سوري وينتمي إلى الأغلبية الشعبية السكانية..
يكفي تخريبا وعبثا بالتكوين الإجتماعي والوطني شعار: ”سوريا المفيدة” الذي رفعه بشار الجبان الهارب..
أما موضوع السجون، وما فيها من وسائل تعذيب وقهر وإذلال وإنتهاك كرامات وحرمات وإغتصاب قيم وإنسانية بغير تهم وبغير محاكمة، فإنها تحتاج إلى مجلدات لبشاعة ما فيها وكثافة وعمق الأحقاد التي ينطلقون منها، تعذيب لا يخطر على بال الشياطين أنفسهم، وإنتهاكات قل مثيلها في غير بلاد..
سقط نظام بشار، ومعه كامل منظومة بيت الأسد التي حكمت سوريا، بالحديد والنار والإجرام، ولو كانت تتمتع بأقل ولاء وطني لسوريا، لاستجابت الى اقل مطالب الشعب باقل قدر من الحرية وإحترام الكرامات، واقل قدر من الحقوق والإنسانية..
إن الدور التخريبي لنظام الاسدين فس سوريا، وبلاد المشرق العربي يحتاج إلى مجلدات أيضا، وسوف تكشف الأيام كثيرا من ذلك الدور التخريبي الذي لم يعرف بعد، فضلا عما كشفته ممارساتهم ومواقفهم طيلة اكثر من نصف قرن..
سقط بشار الاسد، ونظامه الإجرامي، دونما أيّ مقاومة منه ومن أجهزته الأمنية وقواه العسكرية المنحلة، هربوا بمنتهى الخسّة والنذالة والجبانة، وكأنهم لم يسمعوا بالطفل البطل مصطفى، حفيد البطل صدام حسين، حينما بقي يقاوم جيش أميركا، الذي يحاصره، فقتل منه كثيرين قبل أن يستشهد، قاوم وإستشهد ولم يستسلم، أما بشار وازلامه وأعوانه، فإستسلموا فورا من دون أيّ مقاومة، وهم يملكون كل أسباب وإمكانيات المقاومة، فإستحقوا لعنة الاحرار ونذالة المتخاذلين.
أما الطفل البطل مصطفى، فلم يكن يملك سوى سلاحه الفردي، فقاوم واستشهد بشرف وعزة وكرامة، فإستحق شهادة الشرف والوطنية، لم يكن يدافع عن مكتسبات أو أموال، إستشهد مدافعا عن وطنه ضد الإحتلال، أما بشار، فأنقذ نفسه، وتخلّى عن الوطن والشعب كما كانت عادته دائما..
إن كمية القهر والتعذيب والإذلال التي مارسها الأسديون بحق شعب سوريا، تجعلهم يدخلون التاريخ من أبوابه الإجرامية السوداء، لتجعلهم اسيادا في علوم الجريمة والقمع والقهر..
ابدى الشعب السورى من الشجاعة والبطولة، وقدم من التضحيات العظيمة، ما أذهل العالم، ففرض على جميع الدول المتداخلة في القضية السورية، التحرك وافساح المجال للفصائل بإزاحة النظام وإسقاطه.
وإذا كانت أطماع تلك الدول في سوريا، غير خافية على أحد؛ ولن تتوقف ولن تستسلم، فإن تكاتفا وطنيا وشعبيا عاما وتشكيل حركة وطنية موحدة تضم جميع القوى الشعبية والفصائل الوطنية، عبر حوار وطني حرّ مفتوح، ثم التمسك بثوابت الشعب والوطن والدفاع عنها، كفيل بمواجهة الضغوط الدولية او تحجيمها ومنعها من مصادرة مستقبل سوريا، أو صنعه على ما يوافق مصالحها فقط، من دون إعتبار لمصالح ومطالب الشعب السوري.



