عربي ودولي

سوريا لكل السوريّين.. وحدة الوطن وسيادته ومشاركة أبنائه طريق الخلاص*

“المدارنت”
تمر سوريا بمرحلة استثنائية من تاريخها الحديث، تتشابك فيها التحديات الداخلية مع الضغوط الخارجية، وتتداخل فيها المصالح الإقليمية والدولية مع تطلعات الشعب السوري إلى الاستقرار والكرامة والحياة الكريمة. وبعد سنوات طويلة من الحرب والدمار والاستنزاف، يقف السوريون أمام استحقاق تاريخي يتمثل في الحفاظ على وحدة بلادهم وسيادتها، وإعادة بناء الدولة ومؤسساتها، وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين.

وانطلاقاً من مسؤوليتنا الوطنية والفكرية، نحن العروبيّين السوريّين، نؤكد أن سوريا اليوم بحاجة إلى رؤية وطنية جامعة، تتقدم فيها المصلحة الوطنية على الحسابات الفئوية والشخصية، وتكون فيها وحدة الأرض والشعب وصون السيادة والاستقلال وتحقيق العدالة الاجتماعية أولويات لا تقبل المساومة.

وحدة سوريا وسيادتها أولاً
تواجه سوريا محاولات للعبث بوحدتها الوطنية والجغرافية، من خلال مشاريع انفصالية أو مساعٍ لفرض وقائع جديدة على الأرض، مستفيدة من تعقيدات الوضع الداخلي. ونحن نؤكد أن سورية ليست مجموعة كيانات قابلة للتقسيم، بل وطن واحد لجميع أبنائه، بتنوعهم القومي والثقافي والديني والمذهبي.
إن هذا التنوع مصدر غنى للمجتمع السوري، ولا ينبغي أن يتحول إلى مدخل للصراع أو التهميش. فالحفاظ على وحدة البلاد لا يتحقق بالشعارات أو بالقوة وحدها، بل ببناء دولة يشعر فيها كل مواطن بأنه شريك حقيقي، يتمتع بحقوقه كاملة، ويحظى بفرص متكافئة بعيداً عن الولاءات والانتماءات الضيقة.

ومن هنا، فإن معالجة الخلافات الداخلية تتطلب الحوار الوطني، واحترام التنوع، ورفض التحريض والطائفية، وتغليب الحلول السياسية التي تحمي السلم الأهلي وتعزز الثقة بين السوريّين.
في موازاة التحديات الداخلية، تواصل “إسرائيل”، تجاوزاتها على السيادة السورية من خلال التوغلات والاعتداءات والتحركات العسكرية التي تهدد أمن البلاد واستقرارها. ونحن نتمسك بحق سورية في سيادتها على كامل أراضيها، ونؤكد ضرورة مواجهة هذه الاعتداءات بالوسائل السياسية والدبلوماسية والقانونية، وحشد الدعم العربي والدولي لاحترام حقوق سوريا، مع اعتماد سياسة واقعية ومدروسة تحمي المصالح الوطنية وتجنب البلاد مخاطر المواجهات غير المحسوبة.

كما ندرك أن الولايات المتحدة، رغم دعمها للحكومة في دمشق، تتحرك وفق حسابات استراتيجية ترتبط في جانب أساسي منها بأمن “إسرائيل” ومصالحها الإقليمية. وهذا يفرض على السوريين التعامل بوعي مع التوازنات الدولية، وعدم الخلط بين الدعم الخارجي وبين ضمان الدفاع عن المصالح الوطنية السورية.
إن علاقات سوريا الخارجية يجب أن تنطلق من مصالح شعبها وسيادتها واستقلال قرارها، لا من مصالح القوى الأخرى، أياً كان حجم نفوذها أو تأثيرها.

الاقتصاد ومعاناة المواطن أولوية وطنية
لا يمكن الحديث عن مستقبل سورية من دون التوقف عند الأوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي يواجهها المواطنون. فسنوات الحرب والدمار أضعفت الإنتاج، وأرهقت الاقتصاد، ووسعت دائرة الفقر، وأصبح تأمين الاحتياجات الأساسية عبئاً يومياً على شرائح واسعة من الشعب.
إن المواطن السوري لا يحتاج إلى الوعود وحدها، بل إلى نتائج ملموسة تنعكس على دخله وقدرته على تأمين احتياجات أسرته، وعلى توافر الكهرباء والوقود والخدمات الصحية والتعليمية وفرص العمل.

ومن هنا، ندعو الحكومة إلى وضع الملف الاقتصادي والمعيشي في مقدمة أولوياتها، والعمل على تحسين الأجور والدخول، وضبط الأسواق، ومكافحة الفساد، ودعم الإنتاج الوطني، وإعادة تأهيل القطاعات الزراعية والصناعية والخدمية.
كما نؤكد ضرورة تحقيق العدالة في التوظيف والأجور وتوزيع الفرص، والابتعاد عن المحاباة والتمييز على أساس الولاء أو الانتماء. فبناء الدولة لا يقوم على تفضيل فئة على أخرى، بل على الكفاءة والنزاهة وتكافؤ الفرص واحترام خبرات السوريين وقدراتهم.
إن تحسين الوضع المعيشي ليس مطلباً اقتصادياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للاستقرار الوطني. فالفقر والتهميش وفقدان الأمل تضعف ثقة المواطن بالدولة، وتفتح المجال أمام القوى التي تسعى إلى استغلال معاناته لتحقيق أهدافها.

استمرار السلطة أم استقرار الدولة؟
ندرك أن أي سلطة تسعى إلى الاستمرار في الحكم، وأنها تعمل على إدارة شؤون البلاد بما يضمن استمرارها. لكن المسألة الأساسية تكمن في الوسائل التي تعتمدها لتحقيق ذلك، ومدى انسجام سياساتها مع مصالح الشعب والوطن.
إن استمرار السلطة لا ينبغي أن يكون هدفاً يتقدم على استمرار الدولة وتماسك المجتمع وحماية السيادة الوطنية. فنجاح الحكم لا يقاس بقدرته على الاحتفاظ بالسلطة وحدها، بل بقدرته على خدمة المواطنين، وتحقيق العدالة، وتوسيع المشاركة السياسية، والاستجابة لمطالب المجتمع.

ومن هذا المنطلق، نأمل من الحكومة السورية أن تدرك أن التحديات الراهنة أكبر من أن تواجهها جهة واحدة أو تيار سياسي واحد. فسورية بحاجة إلى مشاركة حقيقية لمختلف شرائح شعبها في إدارة شؤون الحكم، والاستفادة من كفاءات أبنائها وخبراتهم، وإتاحة المجال أمامهم للمساهمة في صياغة السياسات والقرارات الوطنية.
إن المشاركة التي ندعو إليها لا تعني المحاصصة أو توزيع مؤسسات الدولة على أساس الولاءات، بل تعني بناء مؤسسات تقوم على المواطنة والكفاءة والمساءلة، وتضمن التمثيل السياسي الحقيقي، وتحترم القانون، وتتيح تعدد الآراء والمشاركة في تحمل المسؤولية.

فالمشاركة الوطنية ليست انتقاصاً من دور الحكومة، بل عامل قوة لها، لأنها توسع قاعدة الثقة بينها وبين المجتمع، وتعزز قدرة الدولة على مواجهة الأخطار الداخلية والخارجية. وكلما شعر السوريون بأنهم شركاء في وطنهم ومستقبله، ازدادت فرص الاستقرار والنجاح.

العروبة إطار جامع لا أداة للإقصاء
إن موقفنا كعروبيّين سوريّين، ينطلق من إيماننا بأن سورية جزء أصيل من محيطها العربي، وأن الحفاظ على وحدتها واستقلالها واستقرارها مصلحة سوريا وعربية مشتركة.

والعروبة التي نتمسك بها ليست شعاراً لإقصاء أي مكوّن من مكونات المجتمع، بل إطار حضاري وثقافي جامع، يحترم التنوع والحقوق، ويعزز الانتماء إلى وطن واحد.

لسنا مع إضعاف الدولة أو الفوضى أو تقسيم البلاد، لكن حرصنا على استقرار سورية لا يعني السكوت عن الأخطاء أو تجاهل أوجه القصور في إدارة الشأن العام. فالموقف الوطني المسؤول يجمع بين دعم الخطوات الصحيحة، والتنبيه إلى الأخطاء، والمطالبة بإصلاحها عبر الحوار والعمل السياسي السلمي.

ومن واجبنا الإسهام في بلورة مشروع وطني جامع، يرفض خطاب الكراهية والطائفية، ويقرب وجهات النظر بين السوريين، ويقدم المصلحة الوطنية على المصالح الشخصية والفئوية.

سوريا لكل السوريّين
تقف سوريا أمام مفترق طرق تاريخي، في ظل تحديات تمس وحدتها وسيادتها وأمنها واقتصادها ومستقبل مؤسساتها. ولا يمكن مواجهة هذه التحديات من خلال المعالجات الجزئية أو القرارات المنفردة، بل من خلال رؤية وطنية متكاملة تربط بين حماية السيادة، وتعزيز الوحدة الوطنية، وتحسين معيشة المواطنين، وإصلاح مؤسسات الدولة.
وعليه، فإننا نأمل من الحكومة السورية أن توازن بين متطلبات إدارة الحكم واستمرار مؤسسات الدولة من جهة، وبين واجبها في حماية وحدة البلاد وسيادتها وتحسين الأوضاع المعيشية وتوسيع المشاركة الوطنية من جهة أخرى.

فالدولة القوية ليست تلك التي تعتمد على الولاء وحده، بل التي تستند إلى ثقة شعبها، وعدالة مؤسساتها، وكفاءة إدارتها، وقدرتها على حماية حقوق المواطنين وصون مصالحهم.
إن سوريا لا تحتاج اليوم إلى مزيد من الانقسامات، بل إلى عقد وطني جامع، ورؤية سياسية واقتصادية واضحة، وإرادة صادقة تجعل المواطن شريكاً في القرار والمسؤولية، وتعيد بناء الثقة بين المجتمع والدولة.

سوريا لكل السوريين، ووحدتها وسيادتها مسؤولية وطنية مشتركة، وليستا مسؤولية الحكومة وحدها. إن حماية الوطن لا تتحقق إلا بتضافر جهود أبنائه، واحترام تنوعهم، وتكريس المواطنة المتساوية، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الخاصة.
هذا هو موقفنا كعروبيين سوريين: دولة موحدة، مستقلة القرار، عادلة في مؤسساتها، آمنة بأبنائها، ومزدهرة بجهود جميع السوريين، من دون إقصاء أو تهميش. فسوريا أكبر من أي سلطة، وأبقى من أي تيار، ومستقبلها مسؤولية أبنائها جميعا.

* الرأي الأسبوعي لـ”ملتقى العروبيّين السوريّين”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى