ماري لوبان تستعيد زخمها من فوضى فرنسا!
“المدارنت”
تشكل مشاهد مثيري الشغب الملثمين، بملابسهم السوداء، وهم يحطمون واجهات متاجر الأزياء الفاخرة ويفرّون بالغنائم، هدية سياسية ثمينة لحزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف.
تمنح أعمال الشغب التي تجتاح فرنسا، ماري لوبان فرصة ذهبية لتعزيز حظوظها السياسية، مستفيدة من مشاهد النهب والعنف وانهيار النظام العام. وبينما تتصاعد المخاوف من تحول الفوضى إلى انتصار لليمين المتطرف، يحذر مراقبون من أن المهاجرين وسكان الضواحي الفقيرة سيكونون الخاسر الأكبر.
ثمة شيء من أجواء القرون الوسطى في هذا العنف المنفلت، الذي أطلق إحدى موجات الغضب الجماعي في فرنسا، وهي موجات تبدو وكأنها تتكرر مرة كل جيل.
فبعد عطلة نهاية أسبوع اجتاحت خلالها مجموعات ملثمة ترتدي السواد شوارع مدن عدة، ونهبت المتاجر وهاجمت الشرطة ورجال الإطفاء وهددت السكان في منازلهم، أتاح حظر التجول الذي فُرض الليلة الماضية قدراً من الهدوء وسط الفوضى.
ومع ذلك، لا تزال أصداء خطاب الرئيس إيمانويل ماكرون، مساء الأحد، تتردد في أنحاء البلاد. ففي حديثه إلى أمة مصدومة مما جرى، طرح سؤالاً وجودياً عميقاً لا يكاد يطرحه إلا رئيس للجمهورية الخامسة: “كيف يمكن للفرنسيين أن يفعلوا هذا بفرنسا؟”.
وربما لم يكن السؤال ينتظر إجابة، لا سيما أن دعوات إلى اقتحام قصر الإليزيه ونهبه وقتل ساكنه كانت قد انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وفي مفارقة قاتمة، غادر ماكرون لاحقاً إلى الشرق الأوسط المضطرب بالحروب.
في باريس، حيث أقيم، بدأت الاحتجاجات بمسيرات سلمية للمطالبة بزيادة تمويل التعليم، شارك فيها طلاب المرحلة الثانوية الذين أطلقوا شرارة الحركة في سبتمبر (أيلول) الماضي، لكن الأمور سرعان ما تحولت إلى أعمال شغب وعنف ونهب، لم أشهد لها مثيلاً من قبل. ومن ليون إلى مرسيليا، عاش السكان مشاهد متشابهة لانهيار هيبة القانون.
إنها فوضى تشبه العصور المظلمة، لكن بأدوات العصر الرقمي. فتنسيق التحركات يجري عبر “سناب تشات”، وتُصوَّر أعمال الشغب وتُنشر مباشرة على “تيك توك”، فيما تدفع ملايين المشاهدات وعلامات الإعجاب المشاركين إلى المضي أبعد في التصعيد.
وتُظهر مقاطع الفيديو المتداولة في أنحاء فرنسا أصحاب متاجر مذهولين وهم يشاهدون تدمير مشاريع أفنوا أعواماً في بنائها. حاول بعضهم التصدي للناهبين بقضبان معدنية أو حتى بأيديهم العارية، لكن أعداد المهاجمين كانت أكبر من أن تُواجَه.
ومن بين آلاف الصور التي حفرت نفسها في الذاكرة الجماعية للفرنسيين، من مخربين يحطمون واجهات متاجر الأزياء الفاخرة، إلى سحب الغاز المسيل للدموع التي غطت شوارع باريس، وانهيار قمة برج ساعة مبنى بلدية ليموج التاريخي البالغ عمره 143 عاماً وسط النيران، يبرز مشهد واحد على نحو خاص: امرأة باريسية ليبرالية شقراء، ثبّتت شعرها إلى الخلف بطوق، كانت تشارك في التظاهرات وحاولت إقناع مجموعة من الناهبين بالكف عن تحطيم متجر راقٍ. ولم تجد ما تفعله سوى أن تتوسل إليهم قائلة: “هذا ليس ما نناضل من أجله”.
إن مشاهد الشبان الملثمين وهم يفرّون بحقائب وملابس فاخرة، بل حتى بلفافات ورق المراحيض، تمثل هدية سياسية ثمينة لماري لوبان وحزبها “التجمع الوطني”، الذي بنى جزءاً كبيراً من خطابه على شعارات الأمن والنظام ومناهضة الهجرة.
ولا شك في تورط من تصفهم الحكومة، في توصيف لا يخلو من الدقة، بـ”الجانحين الانتهازيين”، وغالبيتهم من ضواحي باريس وغيرها من المدن الكبرى. لكنهم لم يكونوا وحدهم، إذ انضمت إليهم مجموعات متفرقة من المخربين، بينهم شبان بيض يعلنون تأييدهم لروسيا ويتبنون أفكار اليمين المتطرف.
وكان من بين ضحايا أعمال العنف أصحاب مشاريع صغيرة يكافحون من أجل البقاء، وكثير منهم من أصول مهاجرة. ومن هؤلاء حسن، وهو فرنسي من أصول بنغلاديشية يملك منذ عقد من الزمن متجراً صغيراً للهواتف المحمولة قرب ساحة الجمهورية. فقد اقتحم متجره أكثر من 70 بلطجياً ونهبوه بعدما دفعوه بعنف وتسببوا بإصابة ساقه. وفي غياب الشرطة، لم يكن أمامه سوى مشاهدة مصدر رزقه وهو يُدمر أمام عينيه، بينما استمرت مجموعات أخرى في العودة طوال الليل للاستيلاء على ما تبقى.
ويستحضر كثر اليوم المقارنة مع “كومونة باريس” عام 1871. ففي مبنى بلدية الدائرة الـ10 في العاصمة، شُوّه تمثال نصفي لكارل ماركس بطلاء بخاخ، وكُتبت إلى جواره عبارات تشير إلى الثورة البلشفية، إلى جانب شعارات من قبيل: “المدينة لنا” و”سندمر كل هذا”. واقتحم ناشطون من حركة “أنتيفا” المناهضة للفاشية المبنى لفترة وجيزة، مما دفع نحو 200 شخص كانوا بداخله إلى الاحتماء في الطوابق العليا.
وفي أثناء اجتياح مئات المشاغبين ساحة الجمهورية، توسلت إليهم صديقة لي، تقيم هناك مع زوجها ورضيعها، ألا يدمروا متجر جارها. لكنهم نعتوها بـ”العاهرة البرجوازية”، وهددوها بالاغتصاب. ثم حاول نحو ستة منهم اقتحام المبنى الذي تسكنه، فكسروا الباب الأول وحطموا زجاج الباب الثاني. وخشيت أن يصلوا إلى شقتها في الطابق الثاني، حيث كانت تختبئ مع طفلها الرضيع.
وفي اليوم التالي، روت ما حدث أمام التمثال المشوّه في ساحة الجمهورية. غير أن عالم اجتماع ذا ميول تروتسكية قلل من شأن تهديدات الاغتصاب وحال الرعب التي عاشتها، وعدها مجرد “أضرار جانبية” للثورة. وسُجّل النقاش بينهما وانتشر على نطاق واسع عبر الإنترنت.

ويرى فرانسوا كاميه، المراسل الحربي السابق لصحيفة “ليبراسيون”، الذي عمل أيضاً في مجلة “شارلي إيبدو”، أن فرنسا ليست على أعتاب ثورة جديدة، بل على أعتاب ما يصفها بـ”ثورة مضادة إلى حد كبير”. ويشير إلى أن احتجاجات مايو (أيار) 1968 انتهت سياسياً بعد تظاهرة ديغولية حاشدة في الـ30 من مايو، أعقبها فوز ساحق لليمين في الانتخابات. ويتوقع قائلاً: “عنف اليوم والغد سيقود إلى انتصار لوبان”.
ويحذر كاميه من أن من سيدفعون الثمن الحقيقي لن يكونوا التروتسكيين أو الراديكاليين الميسورين في حزب “فرنسا الأبية”، بل سيكونون المهاجرين المقيمين في الضواحي الفقيرة، الذين لا يريد معظمهم أكثر من “العيش بسلام”.
تكاد لوبن لا تحتاج إلى قول شيء. يكفي أن تبقى بعيدة من المعمعة. فالصور تتكفل بعرض حجتها السياسية نيابة عنها، فيما تكافح حكومة منهكة لاستعادة النظام.
وكانت استطلاعات الرأي تنذر بهذا المشهد منذ فترة. فقد أظهر أحدث استطلاع أجرته مؤسسة “إيلاب” أن نحو 35 في المئة من المشاركين فيه قد يصوتون للوبن في سيناريو افتراضي للدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية، متقدمة بفارق مريح على منافسيها.
وهنا يكمن الخطأ السياسي الفادح لدى أولئك الذين يحتفون بالفوضى والزجاج المحطم والمباني والسيارات المحترقة. فما لم يطرأ تغير جذري على المشهد، فإن الثورة التي يصنعها أولئك الذين يرددون نشيد “الأممية”، ويحلمون بكومونة باريس، ويقيمون المتاريس، لن تفضي إلى نتيجة سوى وصول مارين لوبن إلى قصر الإليزيه.



