لا استقرار في المنطقة من دون تغيير في إيران!

خاص “المدارنت”
لم يعد الربط بين أزمات الشرق الأوسط وسياسات النظام الإيراني، مجرد قراءة سياسية تتبناها أطراف تختلف مع طهران، بل أصبح حقيقةً تؤكدها الوقائع التي تراكمت على امتداد أكثر من أربعة عقود. فكلما توسع نفوذ هذا النظام خارج حدوده، اتسعت معه دوائر التوتر، وازدادت هشاشة الدول التي تدخل في شؤونها، وتراجعت فرص بناء منظومة إقليمية قائمة على التعاون والاحترام المتبادل.
ورغم استمرار المدافعين عن النظام في تصوير تدخلاته على أنها دفاع عن قضايا المنطقة ومواجهة للنفوذ الأجنبي، فإن الحصيلة العملية جاءت معاكسةً تماماً. فقد تحولت دول عربية عدة إلى ساحات صراع ونفوذ، وتعرضت مؤسساتها إلى الإضعاف، واستُنزِفت مواردها الاقتصادية، واتسعت فيها الانقسامات السياسية والاجتماعية. ولم يكن ذلك نتيجة ظروف داخلية فحسب، بل كان أيضاً ثمرة سياسة اعتمدها النظام الإيراني تقوم على بناء شبكات نفوذ عابرة للحدود، واستخدام الميليشيات المسلحة وسيلةً لترسيخ حضوره الإقليمي وتحويل هذه الساحات إلى أوراق ضغط في مواجهة خصومه.
واللافت أن هذه السياسة لم تحقق لإيران نفسها استقراراً أو ازدهاراً، بل انعكست سلباً على الداخل الإيراني. فالموارد التي كان يفترض أن تُوظَف في معالجة الأزمات الاقتصادية وتحسين مستوى معيشة المواطنين، جرى توجيه جانب كبير منها إلى مشاريع خارجية وأجهزة أمنية وعسكرية، في الوقت الذي يرزح فيه المجتمع الإيراني تحت وطأة التضخم والبطالة والفقر، وتتزايد فيه الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالتغيير.
ومن هنا، فإن الأزمة التي يعيشها النظام ليست أزمة سياسات يمكن تعديلها، بل أزمة بنيوية ترتبط بطبيعة المشروع الذي تأسس عليه. فمنذ قيامه، ربط النظام بين بقائه واستمرار سياسة تصدير الأزمات، واعتبر أن توسيع نفوذه خارج الحدود يشكل خط الدفاع الأول عن سلطته في الداخل. ولذلك، فإن أي تراجع عن هذا النهج يضعه أمام استحقاقات داخلية لا يستطيع التعامل معها بالوسائل التقليدية التي اعتمدها طوال العقود الماضية.
ولعل ما تشهده إيران في السنوات الأخيرة من اتساع رقعة الاحتجاجات، وتنامي مظاهر السخط الشعبي، وتزايد الانقسامات داخل بنية الحكم، يؤكد أن معادلة «التمدد الخارجي مقابل الاستقرار الداخلي» لم تعد قادرةً على تأمين بقاء النظام كما كانت في السابق. فكلما ازدادت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، تقلصت قدرة السلطة على إقناع الإيرانيين بجدوى استمرار سياساتها، وأصبحت المطالبة بالتغيير أكثر حضوراً في الخطاب السياسي والاجتماعي.
وفي هذا الإطار، يبرز دور المعارضة الإيرانية المنظمة، الممثلة في منظمة مجاهدي خلق، التي تمكنت، رغم ما تعرضت له من حملات قمع وتشويه على مدى سنوات طويلة، من الحفاظ على حضورها السياسي والتنظيمي داخل المشهد الإيراني. كما تواصل وحدات المقاومة المرتبطة بها نشاطها داخل إيران، وفق ما تعلنه المعارضة، في إطار السعي إلى كسر أجواء الخوف وتشجيع الاحتجاجات الشعبية، بالتوازي مع طرح مشروع سياسي يدعو إلى إقامة دولة مدنية ديمقراطية تقوم على التعددية السياسية، واحترام حقوق الإنسان، والفصل بين الدين والدولة، وإقامة علاقات متوازنة مع دول الجوار على أساس عدم التدخل والاحترام المتبادل.
ولهذا، فإن أهمية وجود معارضة منظمة لا تكمن فقط في معارضتها للنظام، وإنما في تقديم تصور مختلف لمستقبل إيران، يقوم على نقل البلاد من منطق الثورة الدائمة والصراع الإقليمي إلى منطق الدولة والمؤسسات والتعاون الإقليمي. فنجاح أي عملية انتقال سياسي يحتاج إلى قوة سياسية تمتلك رؤية وبرنامجاً وقدرة تنظيمية، وهو ما يجعل وجود مثل هذه القوى عاملاً مهماً في أي تحول مستقبلي.
لقد أثبتت التجربة أن محاولات احتواء سياسات النظام الإيراني أو التعويل على تغيير سلوكه من دون تغيير جوهر بنيته لم تحقق النتائج المرجوة. ولذلك، فإن الحديث عن أمن دائم في الشرق الأوسط لا يمكن أن ينفصل عن مستقبل إيران نفسه. فكلما اقترب الإيرانيون من بناء دولة تستمد شرعيتها من صناديق الاقتراع لا من أجهزة القمع، وتحترم سيادة الدول بدلاً من التدخل في شؤونها، ازدادت فرص المنطقة في الخروج من دوامة الصراعات التي استنزفت شعوبها وإمكاناتها لعقود طويلة.
إن أمن المنطقة واستقرارها لا يرتبطان بإدارة الأزمات فحسب، وإنما بإزالة أحد أهم مصادر إنتاجها. ومن هنا، فإن التغيير الديمقراطي في إيران لم يعد شأناً إيرانياً داخلياً فقط، بل أصبح مدخلاً أساسياً لبناء شرق أوسط أكثر استقراراً، وأكثر قدرةً على توجيه موارده نحو التنمية والتعاون، بدلاً من الحروب والصراعات التي أثقلت كاهل الجميع.



