ما بعد “أكتوبر”.. “إسرائيل” توسّع دائرة المواجهة مع إيران!
كتب أسامة الأتاسي/ فلسطين
خاص “المدارنت”
منذ هجمات السابع من “أكتوبر” التي نفذتها حركة “حماس”، دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التصعيد السياسي والعسكري، تجاوزت حدود المواجهة المباشرة بين إسرائيل وغزة، لتفتح الباب أمام تحولات استراتيجية أوسع نطاقًا، في مقدمتها تصاعد حدة المواجهة مع إيران، الحليف الأبرز لـ”حماس” وعدد من الفصائل المسلحة في المنطقة.
الهجوم الذي شكّل صدمة عميقة على المستويين الأمني والسياسي، لم يُنظر إليه في إسرائيل باعتباره حادثًا معزولًا، بل اعتُبر نقطة تحول مفصلية استدعت إعادة صياغة العقيدة الأمنية الإسرائيلية، وفتح المجال أمام تحرك أكثر حزمًا بدعم واضح من الولايات المتحدة. ووفق تقديرات دوائر سياسية وأمنية، فإن ما أعقب السابع من “أكتوبر”، لا يقتصر على رد عسكري تقليدي، بل يمثل بداية مرحلة جديدة عنوانها إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.
هدف استراتيجي يتجاوز الرد المباشر
تشير تحليلات صادرة عن مراكز أبحاث غربية وإسرائيلية إلى أن المواجهة مع إيران؛ لم تعد محصورة في إطار عمليات محدودة أو رسائل ردع متبادلة، بل باتت تحمل أهدافًا استراتيجية بعيدة المدى، من بين هذه الأهداف، إحداث تغيير جوهري في سلوك النظام الإيراني، أو فرض قيود صارمة عليه، خاصة فيما يتعلق ببرنامجه النووي ونفوذه الإقليمي.
ويرى مراقبون أن إسرائيل، مستفيدة من حالة التعاطف والدعم الدولي عقب الهجوم، تسعى إلى استثمار اللحظة لإعادة صياغة معادلة الردع، بما يمنع تكرار سيناريوهات مشابهة في المستقبل.
سيناريو صراع طويل الأمد
ومع رفض طهران؛ تقديم تنازلات تتعلق ببرنامجها النووي، بما في ذلك التخلي عن مخزون “اليورانيوم” المخصب؛ أو تفكيك منشآت رئيسية مثل منشأة نطنز ومنشأة أصفهان، فإن اندلاع الصراع حصل في أسرع ومِمّا توقع الكثيرون.
وتشير تقارير أمنية إلى أن المواجهة المباشرة قد تستمر لشهور، ما ينعكس سلبًا على استقرار المنطقة بأكملها، ويؤثر على أسواق الطاقة وحركة الملاحة الدولية، فضلًا عن تداعياته الأمنية على دول الجوار.
استهداف القيادات العليا
ومن “السيناريوهات” التي تم تنفيذها، جاء استهداف قيادات أمنية وسياسية عليا في إيران، وأبرزها المرشد الأعلى السيد علي خامنئي، في إطار مساعٍ لإضعاف مركز القرار داخل النظام. ورغم حساسية هذا الإستهداف وخطورته، فإن بعض التحليلات ترى أن استهداف البنية القيادية قد يكون جزءًا من استراتيجية أوسع لإحداث تغيير داخلي.
غير أن هذا “السيناريو” يحمل في طياته مخاطر كبيرة، إذ قد يؤدي إلى ردود فعل إقليمية غير محسوبة، ويشعل جبهات متعددة في آن واحد.
تقويض الترسانة الصاروخية
تضع إسرائيل ضمن أولوياتها أيضًا تقليص قدرات إيران الصاروخية، والتي يُقدّر عدد صواريخها الباليستية بعيدة المدى بنحو ألفي صاروخ. ويعتبر هذا الملف أحد أبرز مصادر القلق الإقليمي، نظرًا لقدرته على تهديد مساحات واسعة من الشرق الأوسط.
أي تحرك عسكري يستهدف هذه الترسانة سيحمل رسائل ردع واضحة، لكنه في المقابل، قد يفتح الباب أمام ردود مباشرة أو عبر وكلاء إيران في المنطقة.
تحريك المعارضة الداخلية
بعد إضعاف القدرات العسكرية والاقتصادية، قد تتجه الجهود نحو دعم قوى المعارضة داخل إيران، في محاولة لإحداث تحول داخلي في بنية النظام. هذا “السيناريو”، وإن بدا معقدًا، ينسجم مع توجهات بعض الدوائر الغربية التي ترى في التغيير الداخلي مدخلًا لتحقيق استقرار طويل الأمد.
إلا أن نجاح هذا المسار يعتمد على عوامل عديدة، أبرزها تماسك الجبهة الداخلية الإيرانية، وقدرة المعارضة على التنظيم والحشد.
تداعيات إقليمية واسعة
التصعيد الحالي؛ لا يقتصر على إيران وحدها، بل إمتد إلى حلفائها في المنطقة، مثل “جماعة الحوثي” في اليمن و”حزب الله” في لبنان، ما يرفع من احتمالات اتساع رقعة المواجهة. كما أن بعض التحليلات تشير إلى إمكانية حدوث تحولات سياسية في دول عربية يُنظر إليها على أنها تقف في مسار مشاريع التسوية الإقليمية.
هذه التطورات، في حال استمرارها، قد تعيد رسم الخريطة السياسية للشرق الأوسط، وتؤسس لمرحلة جديدة من التحالفات والتوازنات.
أصوات من غزة
في خضم هذه التحولات، تتصاعد داخل غزة، أصوات تنتقد حسابات السابع من “أكتوبر”، معتبرة أن التصعيد الحالي هو نتيجة مباشرة لذلك القرار. ويعبّر بعض السكان عن قلقهم من أن ما يجري يتجاوز قدرات القطاع، ويضعه في قلب صراع إقليمي أكبر.
أحد المواطنين قال في حديث لوسائل إعلام محلية: “ما يحدث اليوم، هو نتيجة طبيعية لقرارات لم تُحسب بدقة، والمنطقة كلها تدفع الثمن”. هذه الآراء تعكس حالة من القلق الشعبي حيال المستقبل، في ظل استمرار التوترات.
ترقب دولي حذر
المجتمع الدولي؛ يراقب التطورات عن كثب، وسط دعوات لضبط النفس وتجنب الانزلاق إلى حرب شاملة. ورغم الدعم الأميركي لإسرائيل، فإن عواصم كبرى أبدت خشيتها من اتساع دائرة المواجهة بما يهدد الاستقرار العالمي.
في المحصلة، يبدو أن تداعيات السابع من “أكتوبر”، تجاوزت حدود الحدث نفسه، لتتحول إلى نقطة انطلاق لتحولات استراتيجية عميقة. وبينما تتواصل التطورات بوتيرة متسارعة، يبقى السؤال الأهم: هل يقود هذا المسار إلى إعادة استقرار المنطقة، أم إلى مرحلة جديدة من عدم اليقين؟




