نيسان 1975.. بداية حرب لم تنتهِ بعد!

خاص “المدارنت”/ في لحظةٍ بالغة الحساسية، يقف فيها لبنان على مشارف التهديد بحربٍ “إسرائيليةٍ”، بينما تتسع هوة التباعد بين اللبنانيين، إلى حدودٍ دقّ فيها جرس الإنذار” (مقتطف من مواقع اخبارية 10-4-2024.
لا يبدو الحديث عن حرب السنتين 1975/ 1976، مُريحًا للمزيد من الخوض في النقد والتحليل السياسي، والعمر الحقيقي للحرب قد تعدّى السنتين كما تمَّ تسميتها في حينه، لتقارب اليوم تسعة وأربعين عامًا، وهي على مشارف النصف قرنٍ من الزمن، لا يعرف بشاعتها إلا من عاش أيامها ولياليها، ولا يتجنب تكرارها سوى العاقل الذي أدرك كم هي الأثمان الباهظة التي دفعها اللبنانيون، ولا يزل الوطن ينزف بسببها، حتى يومنا هذا… وإن تعددت أشكال وأنواع النزيف، وتوزعت على ماضٍ أليمٍ، وحاضرٍ بائسٍ، ومستقبلٍ مجهولٍ.
لقد قيل في حرب «السنتين» وعنها، ما يفوق المجلدات، كأخطر حربٍ أهليه عرفها لبنان، شطرت عاصمته إلى شرقيةٍ وغربيةٍ، وارتفعت خلالها المتاريس بين الطوائف والمناطق، وسقط مئات الآلاف من المواطنين، ما بين شهيدٍ وجريحٍ ومُعاقٍ، في ظل تدمير مدنٍ وقُرى، وترحيل سُكانها في أوسع عملية تغيير ديموغرافي، لم يَسْلم منها برئٌ، ولم ينجُ أعزل لا يحمل السلاح. ومع ذلك، اختلف الباحثون حول تحديد المدة الزمنية لهذه الحرب، هل هي حرب السنتين حقًا، أم أنها الحرب التي امتدت إلى العام 1990، وانعقاد مؤتمر الطائف…؟ أم أنها الحرب المُسْتمرة، التي لم يتوقف فيها سوى البندقية والمدفع، بعد أن فُتِحَت المناطق على بعضها، ليجد الجميع أن الوجوه البشعة هي وحدها التي لم تتوقف…!
إلا أن الأمور بقيت مُتلبّسةً بفسادٍ غير مسبوقٍ، ومنظومةٍ سياسيةٍ وميليشيوية أفرزتها الحرب وتوابعها، لترمي البلد برمته في آتون الجحيم والموت، ويستفيق اللبنانيون على حقيقة أن من أوقف السلاح للحفاظ على حياتهم، والموت مرةً واحدة، يصادر هذه الحياة، ويدفعهم إلى الموت اليومي البطيء، مرات.. ومرات.. في اليوم الواحد، جوعًا، ومرضًا، وإفقارًا، وتجهيلًا، وانهيارًا لمؤسسات الدولة، وإفلاسًا للخزينة، ومديونيةً عامةً، جرفت أموال المودعين في المصارف، في ظل لجوء المنظومة الحاكمة إلى حماية نفسها مع كل جولةٍ، وذلك بتسعير الخطاب المذهبي والطائفي والمناطقي.. كوسيلةٍ لإشغال الناس عن أيَّ حركةٍ اعتراضيةٍ، والتي سرعان ما كتموا صوتها، بعد انفجارها في انتفاضة عام 2019 التشرينيّة، في أوسع تحالفٍ جهنَّميٍّ للمنظومة الفاسدة، التي تخطت خلافاتها الصورية، في سبيل إغراق اللبنانيين في اليأس والإحباط.. ولو أدى ذلك إلى استعمال سلاح السلطة، لفقء العيون، وتكسير العظام، وصولًا إلى مُصادرة العدالة، وتكبيل القضاء للتعتيم على أضخم تفجيرٍ طال مرفأ بيروت، ودمَّر نصف العاصمة، وأودى بحياة مايتين وعشرين مواطنًا ومواطنة، وإصابات تعدت السبعة آلاف، ونازحين جاوزوا الثلاثمائة ألف…
فهل تنفع الاستفاضة في نكأ جراح الحرب ومآسيها…؟ أم أن المصلحة الوطنية تحتاج إلى وقفةٍ وجدانية مسؤولة، لتدارك ما ينتظرنا غدًا من مخاطر، لا تقتصر عن الدعوات المشبوهة إلى فدرلة لبنان، لتطال أيضاً الذين يتباهون بفائض القوة، وجعل دعاة الفدرلة يجهرون بها ذريعةً لذلك، في الوقت الذي دفع فيه الوطن في عامي 1975 ـ 1976، مئات آلاف الشهداء تحت شعار الحفاظ على وحدة لبنان، وحريته، وعروبته، والدفاع عن المقاومة الفلسطينية ضد العدو الصهيوني، أو تحريره من كل «الأغراب»، بين يسار ويمين، كلاهما قاتل الآخر من منطلق أنه يحافظ على الوطن أكثر من الآخر…! بينما كان لكلٍ منهما مشروعه الآحادي الخاص به، الذي لم يُكتَب له الاستمرار بمعزل عن «شريكه» في الوطن…
ومن هذا المنطلق، لا مناص أمام الجميع من التوافق على مشروعٍ وطنيٍّ موحّدٍ، يجمع ولا يفرّق، سيّما وأن كل طرف لبناني، يملك من التجربة الخاصة به، ما يفرض عليه التلاقي مع الآخر، حول قاسمٍ مُشْتركٍ يقي البلد كوجود يتعرض للانحلال، وتسعيرٍ طائفي يتشعب في النفوس، ليترك اللبنانيين غرقى في بحرٍ متلاطم الأمواج من التكاذب المتبادل بين حظائر سياسية مصطنعة، مع كل حديث عن العيش المشترك، والوحدة الوطنية…
لقد آن الوقت، لكي يعي الجميع، أن العاصفة عندما تهب، سوف تصيب الجميع، ولن تميّز بين لبناني ولبناني، ولنحسم الجدل بالتساؤل: هل كانت حرب السنتين حربًا أهليةً حقًّا وهي التي لم يستفد منها سوى أمراء الحرب نفسها…؟ أم أنها كانت حرب الآخرين على أرض لبنان…؟ أم أن الشرارة التي أحدثت الحرب في 13 نيسان عام 1975، في عين الرمانة، كانت بسبب القلوب الملآنة من نظام الأربعة بالمائة…؟ وهل سنبقى مختلفين على جنس الملائكة، وكل طرف يعتبر نفسه الملاك الحارس للوطن، فيما العدو على الأبواب ينتظر اقتتالنا من جديد، ليتدخل طامعًا لا مُصْلحًا بكل تأكيد…!
إنه وعلى عكس الضراوة القتاليّة التي نشأت في حرب السنتين، وأدت إلى انقسام طائفي ومناطقي في صفوف الجيش اللبناني، ولم يستتب الوضع حينها إلا بمؤتمر القمة العربية في الرياض عام 1976، والذي أسفر عن إنشاء قوات الردع العربية لإنهاء الاقتتال، التي لم تنجح سوى مرحليًا، لتنتقل الأوضاع إلى ما هو أسوأ.
إن وجود المؤسسة العسكرية اللبنانية اليوم وعلى رأسها الجيش، تترك فسحة كبيرة من الأمل بان معالجة الوضع الداخلي اللبناني لن يكون إلا من خلال اللبنانيين، الذين يمثلهم الجيش العابر للطوائف والمذاهب والمناطق، بمشاركة القوى الوطنية الحية والتواقة إلى الأمن والاستقرار مع الغالبية الساحقة ممن خبروا الحرب، واكتووا بنارها، والتي أحرقت الأخضر واليابس على مدى خمسة عقودٍ متتالية، كفرصةٍ وحيدةٍ لتكريس وتعزيز العيش الوطني الواحد، الأمر الذي يجب أن يسحب البساط من أيدي أية أطماع إقليمية وخارجية، ترمي إلى وضع اليد على لبنان، ومصادرة قراره الوطني السيادي المستقل، لمنع إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. ويبقى أن لنا بلدًا نستظل بسمائه، اسمه لبنان…



