“أكتب موتي واقفًا.. هوامش الكتابة والحرب”.. بين كتابة النجاة وبلاغة الاحتراق الداخلي

خاص “المدارنت”
صدر حديثًا كتاب: “أكتب موتي واقفًا: هوامش الكتابة والحرب” للكاتب والشاعر الفلسطيني جواد العقاد، عن دار الشروق في عمّان ورام الله. وقد حمل الغلاف رسمًا للفنانة وعد البياري، مجسدًا معاناة غزّة وألمها وصمودها..
يشكّل كتاب أكتب موتي واقفًا وثيقة وجودية، تجمع السيرة إلى التأمل والاعتراف.. وتضع القارئ أمام ذاتٍ تتقدّم نحو مصيرها بوعيٍ جارح، لا بدافع البطولة، بل بدافع الصدق. فالكتاب، في جوهره، ليس كتابة عن الموت بقدر ما هو كتابة عن الإصرار على الحياة رغم أنف الموت، وعن شكلٍ من أشكال التصدّي للفناء عبر اللغة نفسها.
يكتب العقّاد من منطقةٍ تتقاطع فيها الذاكرة الشخصية مع الذاكرة الجمعية، حيث يتحوّل الجسد إلى دفترٍ للآلام، وتغدو التجربة الفردية نافذةً واسعة على الخراب السياسي والاجتماعي الذي يصنع موتًا بطيئًا للإنسان العربي. ومع ذلك، يُصرّ العقّاد على الوقوف، على اتخاذ وضعية الارتفاع بدل الانكسار، كأن الوقوف هو الفعل الأخير للكرامة.
أكتب موتي واقفًا مبنيّ على جُملٍ قصيرة، تُشبه الطعنات، لكنها طعنات تكشف الحقيقة أكثر مما تُخيف. السرد فيه متقطّع عمدًا، كأن الكاتب يُقيم نصبًا لغويًّا من شظايا ذاكرته، ومن هذا التكسّر تتولّد قوة النص. ليس ثمة ترف بلاغي، بل بلاغة الضرورة، حيث تُصبح الكتابة محاولة لاستعادة المعنى في عالم يعيد إنتاج العبث على الدوام.
من جهة أخرى، يبرع المؤلف في تقاط تفاصيل صغيرة تمرّ عادةً بلا انتباه: ارتعاشة يد، ظلّ نافذة، صمتٌ طويل، رائحةٌ عابرة.. هذه التفاصيل ليست مواد تكميلية، بل هي حجّر الأساس في بناء الحساسية المأسوية للنص. فالموت هنا لا يأتي حدثًا مفاجئًا، بل حضورًا يرافق الكاتب بين السطور، يهمس ولا يصرخ، يقترب ولا ينقضّ إلا ببطء.

أما على المستوى الفلسفي، فيكشف الكتاب عن سؤالٍ أخلاقي جوهري هو: هل كتابة الموت شكل من أشكال الحياة؟
فيجيب العقّاد بالفعل لا بالقول، إذ يواجه نهايته عبر فعل المواجهة الأكثر شفافية: التدوين. فالإنسان يموت مرة واحدة، لكن الكتابة تمنحه قدرةً على إعادة ترتيب موته، على تحويله إلى فعلٍ واعٍ. وهنا تكمن قيمة العمل: في تحويل الضعف إلى قوة، والخوف إلى معنى، واليأس إلى شهادة.
ويُضيء الكتاب على أسماء شخوص وأحداث ومواقف تشكّل شبكة من العلاقات الإنسانية التي ساهمت في إنقاذ الكاتب من السقوط الكامل. وهؤلاء يظهرون بوصفهم أطواق نجاة، لا في هيئة أبطال، بل في هيئة بشرٍ عاديين، ما يجعل النص نابضًا بالصدق ومتحرّرًا من المبالغة. فقد قال العقّاد: “هذا الكتاب شهادة على زمن النار، أكتب فيه موتي واقفًا، وأكتب قلب غزة المحروق، وأصدقائي الشهداء الذين يسكون الذاكرة. هو محاولة لإحاطة الحريق بالكلمة قبل أن يُخمَد، ونداء للبقاء وسط الدمار”.
في نهاية القراءة، يدرك القارئ أن الكتاب ليس عن موتٍ واحد، بل عن موتٍ مجازي يتكرّر في حياة الإنسان العربي: موت الكرامة، موت الحرية، موت الطمأنينة. ومع ذلك، يظل جوهر الرسالة متفائلًا بطريقةٍ غامضة.
فالكاتب الذي يكتب موته واقفًا، يكتب حياته بطريقة لا يستطيع الموت محوها.




