تربية وثقافة

الملل النبيل..!*

عمر سعيد/ لبنان

“المدارنت”
كنت في طفولتي، أقصد بيادر القرية صيفًا، وأقف لساعات منتظرًا أن يشفق عليّ راكب نورجٍ، فيصعدني إلى جانبه دورة أو دورتين حول عرمة بيدر قمح أو شعير.
بعضهم كان يفعل، ويعتمد عليّ في توجيه الدابة لعدة دورات، وقد نأى بنفسه ليقضي حاجته، أو يشرب كوب شاي ويدخن سيجارة.
وكان بعضهم يتجاهلني بحجة أن الدابة ستتعب من راكب ونصف، أو راكب وربع فوق النورج.
تذكرت هذا وأنا أقرأ كتاب: “نكران الثقافات”، لعالم الإجتماع الفرنسي، هوغ لاغرانج، ذلك الكتاب الذي ذكرني بالأيام الطويلة التي كان يستغرقها موسم الدراسة، لفصل الحب عن التبن بواسطة الدابة والنورج.
كان ذلك قبل ظهور الآلات الحديثة، التي تقضم الحصاد، لتلفظه قشًا من جهة، وحبًّا من أخرى.
كذلك تفعل تطبيقات الذكاء الصناعي بالمعرفة في أيامنا هذه؛ يزودها المرء بالكتاب، فترمي له بتلخيص ودراسة عنه.
كانت الدابة تقضي النهار، وقد حوصر فمها بالفطامة، لئلا تلتهم من قش البيدر، وكان النورج يتطلب صيانة يدوية، وحمله ونقله من البيت إلى البيدر، ومن عرمة إلى أخرى.
أما الدرّاس، فقد كان يحتمل حر اليوم بطوله.. يقف أحيانًا، ويجلس أخرى، وقد حرم نفسه من التدخين؛ لتفادي إحراق البيادر، فيعاني مللًا نبيلًا لينقل الحب من سنابله إلى أكياس الجنفاص التي كنّا نصنّفها بخط أحمر، وخط أزرق، من دون أن أدرك الفرق، ولا السبب في تسميتها.
لم تتغيّر تركيبة القمح الذي كنا نحصل عليه بفضل النورج، عن القمح الذي نحصل عليه اليوم بفضل الآلة، لكنّ طعمه تغير وكثيرًا.

فقد اكتسب قمح الماضي طعمه من عرق زارعه، وعلاقته بالحقل ومواعيد المطر، وبالمنجل والدابة، وبالتنور والكارة ولگن العجين، الذي هدّ سواعد أمهاتنا.
أما قمح اليوم، فقد خسر طعمه بسبب الجرار الزراعي، والحصادة دراسة، ومسار الرغيف “الأوتوماتيكي” من المطحنة إلى العجّانة حتى بيت النار، الذي يقذف به إلى مسار، يحمله إلى داخل كيس شفّاف.
لم يكن للرغيف، في زمن البيادر، أسماء كثيرة كاليوم.
فما الذي سيبقى من النص، إذا فقدنا القدرة على الملل النبيل في الكتابة، والقراءة.
وأي وجدان سيحمله نصٌّ، أنتجه تطبيق ذكاء صناعي؟ وهل الذاكرة البشرية ستجد طريقها عبر هذا التطبيق؟ وكيف سيكون الحزن داخله؟ وما مصير الفرح والمتعة فيه؟
أسئلة كثيرة وكبيرة تواجهني، لا بل تواجهنا. وما من سبيل إلى الإجابة عنها بغير تبنّي الملل النبيل.
فهل نتجنّب ملل القراءة، ونفر من شقاء المعنى، ونلقي بنبلهما عن كاهلنا، لنتمكن من الجري خلف سرعة، تتعجّل فينا قدرتنا على الإبداع والتفكير؟

* من كتاب: “الكتابة ليست علفًا” قيد الإنجاز
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى