ديوان “رهف”: انسياب العاطفة في هندسة القصيدة
“المدارنت”
يأتي ديوان: “رهف”، قصيدة لم تولَد، للشاعر الزميل الوليد حسين الخطيب، الذي صدر حديثًا عن دار الانتشار العربي، بيروت/ لبنان، بتقديم د. خالد كموني، ويقع في 80 صفحة ضمّت قصائد نُشِرَت سابقًا في مواقع وصحف لبنانية وعربية عدّة – ليؤكّد أن الشعر الحقيقي لا يُولد من ترف اللغة، بل من صدق التجربة. هو ديوانٌ مشغول على نار الوجدان، يُلامس القارئ بما فيه من صدقٍ وانسياب، من دون أن يفقد بنيته الفنية المتينة، ولا هندسته الداخلية التي تُمسك بخيوط النصوص وتنسّقها كما تنسّق اليد العاشقة خصلات الحبيبة.
من الناحية الفنية، ينفتح الديوان على نماذج شعرية متعددة، تجمع بين القصيدة الحرة والشعر الكلاسيكي الموزون – وقد يكون هذا مأخذًا على الشاعر الخطيب – وبين البوح المباشر والتلميح الشفيف، وبين الإيقاع الداخلي والوزن الخارجي. هذه التنوّعات لا تأتي بوصفها تشتّتًا، بل دليلًا على تعدّد الأصوات داخل الشاعر، وتعدّد طبقات الإحساس.
اللغة هي أحد أعمدة هذا الديوان. فهي ليست وسيلة تعبير فحسب، بل شريك فاعل في صناعة الأثر الشعري. الشاعر يُحسن الإنصات إلى اللغة قبل استعمالها، فلا يُحمّلها فوق طاقتها، ولا يُقحِم الزخرف على المعنى. بل يجعل البلاغة خادمة للوجدان، لا متسلّطة عليه.
ونلحظ في الديوان عناية ظاهرة بالتراكيب، حيث تُبنى الجمل في توازن صوتي ودلالي، فتنساب القصائد كأنها نُسجت على نولٍ واحد، رغم اختلاف موضوعاتها.

أما الصورة الشعرية، فهي تتنوّع من البسيط إلى المركّب، من الحسي إلى الرمزي، ويغلب عليها الطابع التشكيليّ الحالم. نرى في “للأنوثة مهرجان” مثلًا كيف يصوغ الجسد في لغة تُجيد التلميح لا التصريح، وفي “طفل غزة” كيف يحوّل الدم المسفوح إلى صرخة شعرية لا تنكسر.
أمّا البنية الموضوعية للديوان فتقوم على محاور واضحة: الحبّ، الحنين، الوطن، الفقد، الغياب، الحضور، فلسطين، والمرأة بوصفها كائنًا رمزًا وملاذًا ونداء. هذه الثيمات تتكرّر، لكنها لا تتكرّر على مستوى السطح، بل يُعاد صوغها في كل مرة برؤية جديدة، تجعل من “رهف”، عملًا مترابطًا لا مجرّد تجميع لنصوص متفرّقة.
وما يُحسب لهذا الديوان أنه لا يُقدّم الشعر بوصفه “حرفة”، بل بوصفه تنفّسًا وجوديًّا، وملاذًا إنسانيًّا، لذلك، فإن قارئ “رهف”، لا يشعر بأنّه يقرأ شاعرًا يكتب من أعلى، بل صديقًا يهمس له من قلب التجربة.
هذا الحضور الصادق، المتين بلاغيًّا، والعفوي في آن، يجعل من “رهف”، ديوانًا يستحق القراءة ليس مرة واحدة، بل على دفعات، لأنه يشبه القلب حين يتكلم.. لا يبوح بكلّ شيء دفعة واحدة.




