تربية وثقافة

صوت التاريخ المنكسر والثائر الحقيقي


“المدارنت”

صدر عن دار الانتشار العربي، بيروت-لبنان، كتاب: “سورية في مرآة التاريخ والحقيقة”، شهادة منيف الخطيب (نائب أسبق) عن أسرار سورية من الانقلابات إلى سقوط الجولان والقنيطرة. ويقع في مئتين وصفحتين من القطع المتوسّط، شاملًا تقديمًا لوليد حسين الخطيب، ومقدمة للمؤلّف ومراجع، إضافة إلى ملحق يتضمن صور بعض الشخصيات التي وردت فيه.
يشكّل هذا الكتاب إضاءة لافتة على العلاقة المتشابكة بين الكلمة والفعل والحق والحرية، حيث إنّه يقدّم شهادة حقيقية عن التخلي عن الأرض والعرض مقابل التسيُّد. ويقدّم رواية صادقة حُبلى بالحقائق والوقائع المستندة إلى شهادات شخوص كان لهم اليد الطولى في نظام آثر بقاءه على بقاء الوطن، كالضابط أكرم الحوراني في كتابه مذكّرات أكرم الحوراني، وضابط مخابرات الجولان خليل بريز في كتابَيه من أسرار نكبة حزيران وسقوط الجولان.. واللواء أحمد سويداني الذي تخلَّصَ منه حافظ الأسد – الذي كان وزيرًا للدفاع وهو من أصدر بلاغ سقوط القنيطرة بيد الجيش الإسرائيلي قبل وصول أي جندي إسرائيلي، وهو الذي أعطى الأمر الكيفي بالانسحاب – تخلّص منه بطريقة قاسية ومهينة بعد أن انتهى دوره ولم يعد في حاجة إليه.. وروايات كُتّاب آخرين عاشوا المرحلة بتفاصيلها كالكاتب محمد حسنين هيكل وأكرم نور الدين الساطع في كتابه: “كتاب تاريخ ووثائق النصف الثاني من القرن العشرين 1950-2010”.. تأتي هذه الرواية في زمن تكثر الروايات وتتناقص الحقيقة. ويظهر هذا الكتاب صوتًا ينطق بالصدق ويكسر صمت المؤامرات. من هذا المنطلق، كان كتاب: “سورية في مرآة التاريخ والحقيقة”، شهادة منيف الخطيب عن أسرار سورية من الانقلابات إلى سقوط الجولان والقنيطرة، من أجل تقديم شهادة وطنية حية، بعيدة من التحليلات الأكاديمية الباردة، بمنتهى الشفافية والانخراط القومي. في نصوص تروي مراحل النكبة وتسليم الجولان السوري والقنيطرة.. والسجون والمنافي والاعتقالات والمؤامرات والدسائس والإعدامات.. ينصت القارئ لصوت رجل عاش هذه المراحل طفلًا ولم يخضع، بل قاوم طمْسَ التاريخ وتزييفه.
ينسج الكتاب خيوطه عبر مفاصل تاريخية مهمة: من نكبة 1948، إلى الانقلاب السوري، وتكرار الهزائم العربية، وصولًا إلى التنازلات التي أعقبتها، مثل التخلي عن الجولان والقنيطرة. ويشير المؤلف إلى شهادات منشقّين من داخل النظام – منهم من اغتيل أو أُعدم أو اعتُقل أو في أحسن الأحوال نُفي – الأمر الذي يكسب الكتاب بعدًا إنسانيًّا وسياسيًّا على حد سواء.


نصوص الكتاب تؤكد أن الكارثة ليست في الوقائع فقط، بل في ما يُحذف أو في ما يُخفَى عن الناس. والكتاب دعوة لإيقاظ الوعي وللنظر نقديًّا إلى مسار الأمة، مقرونة بحسّ المسؤولية في التذكّر وعدم النسيان وفق ما نُقِل عن محمد حسنين هيكل: “النسيان هو الموت… والتذكّر يقظة”. إنه عمل لا يهدف إلى تبييض الوجهات، بل إلى معالجة سقمها بروح وطنية صادقة.
هذا الكتاب لمن؟ إنّه لكلّ عربي لم يستكِن للهزيمة، ولمن يسعى لإعادة كتابة التاريخ بعيون الواقع، لا لتمثيل السلطة بل لوقف تزوير الوعي.

كتب وليد حسين الخطيب/ لبنان
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى