مقالات

عندما تخون المؤسسات مبادئها وأهدافها.. الجزء (2-2)

أديب الحاج عمر/ لبنان

خاص “المدارنت”
لم تعد هيبة المؤسسات محدود بخلاف سياسي أو تململ اداري، إنما محكوم بانفجار قضائي قانوني، فالمعركة مفتوحة على مصراعيها والصدام بين تضارب المصالح والمنافع الشخصية، من جهة، وبين الحماية والغطاء السياسي الديني، كما روائح العفن تعبأ المكان، تلوح بتقديم الأضاحي والضحايا، وشد الحبال شديد بين قوى السطوة والنفوذ نفسها، وأيذها يسحب البساط من تحت أقدام الآخر، فالكل معطر مقدس.

ورغم ذلك الخلل الفاضح والتورية الهدامة، يستمر الانحراف، وتمارس الخيانة، جراء ما يُطبخ بالكواليس من مساومات وتسويات لحفظ ماء وجه تجاوز القيمون على المؤسسات، من هدم وتمزيق وتخريف لرسالاتها، غير ابهين لما تقوله النصوص الالهية، ومما تحكمه عدالة القوانين، ومما تحده القيم الأخلاقية.

فالفرق بين احقاق الحق، وبين الأخذ بالباطل وتزيينه بلباس الحق، مقدار شعرة. فهل من متعظ؟ فهل من يخاف الله؟ صم بكم عمي فهم لا يفقهون. لقد نحروا الوعي في محرابه، وهذا أعمق مراحل الخيانة والانحراف، (فليبتكن آذان الانعام) لقد اعدموا البحث الوجودي وتشبهوا بالانعام، كرمز لكائن يتلقى ولا يبحث، فاسكتوا الصوت الناقد، وخنقوا الصوت الحر من مراجعة الموروث، وتهذيبه من كل دخيل ومدسوس. لقد نجحوا في جعل الإنسان يعمل في اجترار ذاته، فيكرر ولا يتدبر، ويتبع متلقيا ولا يسعى، وهكذا يأتي الرفض لأي تغيير بحجة أن التغيير يتناقض مع ما اعتيد عليه، مما يؤدي الى قتل ملكات البحث والمراجعة لكل حقيقة مما يظهر، وبكل وضوح، التصرف القطيعي الذي يتلاءم مع ضياع بوصلة الفطرة الإلهية.

إن صدور قرار مجلس شورى الدولة، بكسر قرار تمديد وظيفة مفتي الجمهورية اللبنانية وابطاله، سابقة تاريخية، ووصمة عار للمقام، وخيبة أمل لدى أهل السنة والجماعة، فالمقام، يعتبر المرجع الديني الأعلى للصلاح والإصلاح، وتنفيذ ما تبلغناه من الرسول محمد (ص)، لكنه (المقام) ذهب مذهب الخلل والاخلال والضياع، فكيف أن حل بالملح الغير؟

لقد أصيب القلب خللا، فلا شك، سيلحق الأطراف عللا، فكل على شاكلته، ومع ذلك، ورغم الأفق المسدود، تتحرك بعض الشخصيات، التي بدورها تسيء إلى جوهر الحقيقة العادلة، وإلى منارة رسالتها، فتعمل وبخفاء إلى ستر وترقيع العلل، لسبب في نفس يعقوب، فنراهم يخافون سقوط هيبة الإفتاء، ولا يهابون سقوط رسالاتها، وايضا، متغافلين سقوط هيبة النصوص التي تتحكم برسالات المؤسسات وتحكمها بما تحمله من قيم وقوانين.

لقد ذهبوا مذهب اللامبالاة واللامسؤولية، فعمدوا إلى الزيف والعبث بالفطرة الالهية، وهذا ذروة الخلل والانحراف، وثمة الضلال والخيانة، والذي لا يقتصر على ما هو ظاهر، بل يشمل البنية الكلية للانسان، من قيم وضمير ووجدان، فيشوهون الصور الإنسانية جراء أعمالهم وأفكارهم، فيعطلون وظيفة العقل، ويقتلون روح البحث، انطلاقا من تحريم ومنع السؤال، مما ينتج بعثرة الهوية الفطرية والتلاعب بالمبادئ والأهداف التي اؤتمن الإنسان لتحقيقها وبناء إنسانية، وبهذا حولوا الإنسان من كاءن حر، طليق الوعي والأفكار إلى كائن مقيد تابع محدود، يُعاد تشكيله وفق منهج الانحراف والضياع.

وعليه.. نجد الممسكون بدار الإفتاء، يملون بشروطهم المحددة بعدم فتح الملفات الإدارية والمالية، بسبب ما يتمتعون به من غطاء سياسي وازن. فالمصالح المشتركة معيار الانحراف والانصياع، لكن واقع الحال يصطدم بجدار معارضة صلب خرجت من صميم “المجلس الشرعي الأعلى”، ومن رحم دار الإفتاء.

إن القضية المثارة هذه الأيام، خيانة المؤسسات لرسالاتها ومبادئها، وعلى كافة مستويات الدولة اللبنانية، لا تتعلق باسم شخص معين أو أشخاص محددين، قد يطال موقعه الوظيفي أو نفوذه السلطوي، انما يتعلق الأمر بسؤال أخطر، أو أكثر خطورة، يتمثل بـ”إذا كان هذا هو حال المؤسسات، فمن يحرص على التشريع العادل؟ أي سلطة تلزم مساواة تطبيق القوانين من يراقب ويسدد ويعاقب بعدل وحق؟ من يخطط وينظم ويمنهج؟ مَن؟ مًن؟

فالمؤسسات ليست موقعا تمنح الشرعية والحصانة لاشخاص يعملون في ظلها، إنما المؤسسات هي تلك الأبواب التي تعمل لفتح سبل الوعي والانفتاح والإدراك، فلا يدخلها إلا من على كفاءة ويستحق.

تنويه أخير، ليست العبودية هي تلك التي تبدأ بالسلاسل، إنما العبودية هي تلك التي تنبهك أن فلان خط أحمر، مع التأكيد أن الخيانة جزء من تلك العبودية، والخضوع لذلك والسير مساره، يعني إلغاء العقل، ومن رضى بالإلغاء فقد تحول إلى جزء من قطيع، مع ضرورة البيان أن القطيع لا يبني، بل يستحيل أن يبني حضارة، إنما القطيع يُساق وبارادته إلى المذبح. وهكذا حال الإنسان القطيع، فقد، وبارادته، عطّل والغى اثمن ما يملك.. فقد ألغى وجوده.

“إنتهى”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى