مقالات

عندما تعود بيروت إلى ذاكرتها!

الأخ مصطفى الترك
كتب معتز فخر الدين/ لبنان

خاص “المدارنت”
أحياناً تكشف لحظة إنسانية ما بقي حياً في ذاكرة الناس، رغم سنوات الغياب وتبدّل الأحوال. هذا ما استوقفني في الاتصالات الكثيفة التي تلقاها الحاج مصطفى الترك، للاطمئنان إلى صحته، بعد الأزمة الصحية التي تعرض لها.

لم تكن مغادرة الحاج مصطفى، بيروت، خياراً طوعياً، بل جاءت نتيجة مسيرة من المواجهة السياسية والنضالية. فقد رفض سلطة بشير الجميل قبل مقتله، وواجه محاولة تمددها إلى بيروت الغربية في معركة رأس النبع، في 12 أيلول 1982. وكان موقفه هذا سبباً في ملاحقته من سلطة أمين الجميل لاحقاً.

ولم تنتهِ معاناته عند هذا الحد؛ فبسبب حرب المخيمات، لاحقته مخابرات الأسد، ونُفي عن بيروت، مدة سبعة عشر عاماً. لكن الغياب لم يغيّر من ثوابته، ولم يساوم على شرعية “منظمة التحرير الفلسطينية” وقيادتها التاريخية. لقد كانت فلسطين في صلب مسيرته، وهو الذي عبّر عن تجربته بالقول: «عشنا لفلسطين؛ وحملنا السلاح دفاعا عن قضيتها وثورتها».

لم يكن ابتعاده عن بيروت انقطاعاً عن قضاياها، بل نتيجة مواقف دفع ثمنها من حياته واستقراره.
في حديثي معه أمس، توقفنا عند دلالة هذه الاتصالات. وكان تقديرنا أنها تعبّر عن الوفاء للرجل، كما تكشف عن افتقاد الشارع البيروتي قياداته التاريخية. وأرى أن فيها أيضاً ما يتجاوز العلاقة الشخصية، إذ تعيد طرح سؤال الحنين إلى مرحلة سياسية ونضالية ما تزال حاضرة في وجدان كثيرين.

الترك عندما عاد الى بيروت في مرحلة سابقة (أرشيف)

لم يكن الحاج مصطفى الترك، اسماً عابراً في تاريخ الحركة الوطنية في بيروت، بل كان واحداً من رجالاتها الذين ارتبطت أسماؤهم بمرحلة النضال الوطني والقومي. وإلى جانبه، يحضر اسم المناضل إبراهيم قليلات، بما يمثّله هو الآخر في ذاكرة بيروت وأهلها.

لم تكن هذه الأسماء مجرد قيادات سياسية أو تنظيمية، بل ارتبطت بتجربة عاشتها المدينة، تداخل فيها النضال الوطني اللبناني مع القضية الفلسطينية والمشروع القومي العربي. واستعادة الحاج مصطفى اليوم، وما رافق أزمته الصحية من اتصالات ومحبة، تعيد إلى الذاكرة أيضاً أولئك الذين شاركوه تلك المرحلة، وتستحضر زمناً كانت فيه القضايا الكبرى جزءاً من وجدان قطاعات واسعة من أهل بيروت.

ولعل هذه الخلفية تساعد على فهم جانب من المحبة التي ظهرت في الاتصالات للاطمئنان إليه. فالناس لا يستعيدون الرجال لذواتهم وحدها، بل يستعيدون معهم ما ارتبط بأسمائهم من مواقف وتجارب وأحلام. وقد يكون الاتصال للاطمئنان على صديق قديم، لكنه يحمل أحياناً حنيناً إلى زمن جمع الناس حول قضايا تجاوزت حدود المدينة، ومنحهم شعوراً بأنهم شركاء في مصير أوسع.

الترك في ميدان “جبهة رأس النبع” خلال الحرب الأهلية (أرشيف)

يُسمّي كثيرون تلك المرحلة «الزمن العربي الجميل». وليس المقصود أن تاريخها خلا من الأخطاء والتناقضات، أو أن استعادتها تعني الدعوة إلى العودة إلى تجاربها كما كانت. لكن الحنين إليها يستحق الفهم، لأنه يكشف عن قيم وأحلام ما تزال تحتفظ بمكانتها لدى أصحابها، وعن شعور بأن الحاضر لم يعوّض ما افتقدوه من معنى الانتماء والعمل من أجل قضايا مشتركة.

إن افتقاد الشارع البيروتي قياداته التاريخية؛ ليس مجرد حنين إلى أسماء غابت. إنه يفتح باب السؤال عن العلاقة بين الناس وقياداتهم، وعن الأسباب التي تجعل بعض الشخصيات تحتفظ بمكانتها رغم ابتعادها عن الحياة اليومية للمدينة. فالمكانة لا تصنعها المواقع التنظيمية وحدها، بل تصنعها أيضاً المواقف والعلاقات التي تتكوّن عبر سنوات من العمل والنضال.

لا تكفي الاتصالات التي تلقاها الحاج مصطفى، لإصدار حكم شامل على حال بيروت أو على علاقتها بماضيها، لكنها تقدم إشارة تستحق التوقف عندها. فقد اجتمع فيها الوفاء لرجل بعينه، والاعتزاز بمسيرته، والحنين إلى مرحلة ارتبطت في ذاكرة كثيرين بالنضال القومي والتحرري. وهذه دلالة لا تحتاج إلى المبالغة كي تكون جديرة بالاهتمام.

عندما تعود بيروت إلى ذاكرتها، فإنها تستعيد الحاج مصطفى، وتستعيد معه جانباً من تاريخها الوطني والنضالي. وربما كان المعنى الأهم في هذه الاتصالات أن الغياب، مهما طال، لا يمحو أثر الإنسان، وأن بعض الروابط تبقى حيّة، لأن ما جمع الناس لم تكن لقاءاتهم وحدها، بل المواقف والقضايا التي تقاسموها.

سلامتك يا حاج مصطفى. لقد أعادت أزمتك الصحية اسمك إلى ذاكرة بيروت، وأظهرت أن سنوات الغياب لم تمحُ مكانتك لدى كثيرين. وقد تكون هذه الاتصالات، بما حملته من وفاء، أبلغ تعبير عن أن المسافة لم تقطع صلتك ببيروت وأهلها.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى