مقالات

في “اليوم العالمي لحرية الصحافة”.. هذا ما أتذكّره!

أحمد حوذان*/ اليمن

“المدارنت”..
3 أيار/ مايو، يوم مهم لكل صحافيً يمنيً وصحافية.. صحيح ان العالم في هذا “اليوم العالمي لحرية الصحافة”، يتذكر الانجازات التي تحققت للصحافة، بينما نحن كصحافيين، نتذكر ما تعرضنا له  من أعمال اعتقال وقمع وتعذيب في السجون… نتذكر الملاطيم… نتذكر الساعات المتواصلة إلى الفجر في التحقيق… يتداول عليك اكثر من اربعة اشخاص سكارى محبّبين (تناولوا حبوب مخدرة) عرابيد… نتذكر التعليق بـ”الكلبوش” (الكلبشات) حتى تسيل الدماء من آثار “الكلبوش”.. نتذكر الزنزانة المظلمة 3×3.
تتذكر قضاء حاجتك بالحمام اربع مرات في اليوم، والباقي اقضيها في علب “بلاستيك”.. تتذكر الاكل وسلحبة الشاوش والازعاج.. نتذكر التوشيحات “الحوثية” المزعجة قبل الصلوات بساعات… نتذكر خطاب الإرهابي عبد الملك الحوثي وأخاه الصريع عبر مكبرات الصوت، نتذكر الشماسي التي فرضت جزاءً لكل من طالب بحمام أو نادى يا مستلم معنا مريض سيموت، مما يتعرض له الجناح بالكامل من التعذيب بالماء البارد والتنظيف والركل والضرب… نتذكر التعذيب النفسي الذي هو من اخطر أنواع التعذيب في السجن السياسي “الحوثي”، عندما يتم الإفراج عنك لساعات طويلة في البوابة، تنتظر أهلك يأتون لك بعد أن يبصموك بالعشر وانت “مكلبش” (مكبّل اليدين) و”مغمّض ومربوطة” عيونك… فجأة يأتي إليك أحدهم لا تعرف من هو… يقول لك تأخرت أسرتك… لم تفهم، لكن عد نكمل معك الإجراءات.
هذا ما نتذكر كصحافيين، كنا في سجون “المليشيا”، والآلاف من السجناء أيضا… هذا ما اتذكر أنا كواحد من بين مئات الزملاء الصحافيين الذين مورست بحقنا صنوف التعذيب من قبل “مليشيات إرهابية” وشردت في الصحاري.
في العالم، يأتي هذا اليوم لتقييم ما تحقق للصحافة من نجاحات وإنجازات، وما حصلت عليه من حقوق، وما أصابها من متاعب ومعوّقات وقيود في العالم، وحماية وسائل الإعلام من التعدّي على استقلالها، وتكريم الصحافيين الذين فقدوا حريتهم أو حيواتهم في ممارسة مهنتهم.
لكن بالنسبه لنا كصحافيين، يأتي اليوم العالمي للصحافة، لنتذكر المآسي والجرائم والإنتهاكات التي حلّت بالصحافيين اليمنيّين، وما تزال من قتل وتعذيب ونزوح.
نعم اختير الثالث من مايو، كموعد لإحياء ذكرى “إعلان ويندهوك” التاريخي خلال اجتماع للصحافيين الأفارقة، نظّمته “اليونسكو”، وعُقِد في ناميبيا «زي النهارده» في 3 مايو 1991، وأعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 1993، موافقتها على اعتبار 3 أيار/ مايو اليوم العالمي لحرية الصحافة، إثر توصية وجهها إليها المؤتمر العام لليونسكو، ويعتبر هذا اليوم مناسبة لإعلام المواطنين بانتهاكات حرية الصحافة، والتذكير بأنه – بعشرات البلدان حول العالم- تُمارس الرقابة على المنشورات، وتُفرض عليها الغرامات، ويُعلَّق صدورها، وتُغلَق دور النشر، بينما يلقى الصحافيون والمحررون والناشرون ألوانا من المضايقات والاعتداءات والاعتقالات، حتى الاغتيال في العديد من الحالات.
بينما يأتي هذا اليوم، ولا يزالُ الصحافيون الزملاء  “وحيد الصوفي، ونبيل السداوي، وعبد الله النبهاني”، محتجزين في سجونِ (ميليشيات) “الحوثيين”، من دونِ أيّ محاكمةٍ عادلةٍ، ممّا يُمثّلُ انتهاكًا صارخًا لحقوقِ الإنسانِ وحريةِ التعبيرِ.
العالم يستغل  هذا اليوم، لتشجيع وتنمية المبادرات لصالح حرية الصحافة، وتقييم مداها على امتداد العالم، ويتخذ من هذا اليوم مناسبة لتذكير الحكومات بضرورة احترام التزامها بحرية الصحافة، وتتبلور أهمية اليوم العالمي لحرية الصحافة في تقديم الدعم لوسائل الإعلام المستهدفة بالتقييد أو بإلغاء حرية الصحافة.
لكن كيف نقول للعالم؟! بماذا ستذكرون الأطراف اليمنية و”مليشيات الحوثي” الإرهابية على وجه الخصوص بهذا اليوم؟! كيف يمكنكم ان توجهوا لها الدعوات وماذا ستقولون لها؟!
هل ستتحدثون معها  عن القتل المتعمد والممنهج الذي تعرض له أكثر من 49 صحافيا يمنيًا من قبلها… ام عن المغيّبين في سجونهم، العديد من الصحافيين اليمنيين يعانون من أوضاعٍ اقتصاديةٍ صعبةٍ، حيثُ انقطعتْ رواتبهم  في المؤسساتِ الحكوميةِ منذ العامِ 2016، وباتَتْ فرصُ العملِ شحيحةً للغايةِ، بعد إغلاقِ العديدِ من وسائلِ الإعلامِ المطبوعةِ والمرئيةِ والمسموعةِ من قبل “المليشيا” (الحوثية) التي لا تتوقف عن ملاحقة الصحافيين وقمعهم والزجّ بهم في السجون.
هذا اليوم، يذكرنا بإستشهاد الصحافية اليمنية، رشا الحرازي، التي فقدت حياتها ضحية عملها كصحافية، وذلك إثر زرع عبوة ناسفة في سيارتها، أثناء قيادتها للسيارة في “خور مكسر” في مدينة عدن في نوفمبر 2021 م.
هذا اليوم، نتذكر وفاة الصحافي والأديب محمد صالح حيدرة، بعد حادث مروري في العاصمة صنعاء، تاركًا آخر معاناته في قطع الراتب.
هذا اليوم، يذكرنا بوفاة الصحافي محمد العبسي، الذي توفي في ظروف غامضة بصنعاء
بعد تلقيه تهديدات عديدة على خلفية تقاريره الصحافية الاستقصائية عن ملفات فساد كبيرة وشائكة.
نتذكر أيضا الزميل والصحافي أنور الراكان، الذي لفظ أنفاسه الأخيرة في يوم 2 يونيو/ حزيران، بعدما تدهورت حالته الصحية بشكل واضح خلال احتجازه لدى “الحوثيّين”، حيث فارق بعد أيام قليلة من إطلاق سراحه.. والكثير الكثير من الجرائم بحق الصحافيين اليمنيّين.
وهكذا، هلم جرّا، ومنذ بدء الانقلاب على مؤسسات الدولة، تعرّضتْ الصحافةُ اليمنيّة لأبشع الجرائم، بل أكثر  من 1,700 حالةِ انتهاكٍ واعتداءٍ، وتوقّفتْ 165 وسيلة إعلامٍ، وحُجبَ قرابة 200 موقعٍ إلكترونيٍ محليٍ وعربيٍ ودوليٍ، وفقدَ 45 صحافيًا يمنيًا حياتهم دفاعًا عن الحقيقة.
فهو يوم حقيقة، نتذكر من خلاله بل نحيي كصحافيين، ذكرى زملائنا الذين فقدوا حياتهم في ممارستهم المهنة. ففي السنوات العشر الماضية، قُتل أكثرمن 49 صحافيًا، لذا يجب أن تكون البيئة الإعلامية الحرة المستقلة والتعددية سواء متصلة بالإنترنت أو منفصلة عنه، بيئة يستطيع الذين يعملون في الصحافة العمل فيها بأمان وبشكل مستقل من دون الخوف من تهديدهم أو قتلهم أو تعرضهم لمضايقات واختطاف وسجن تعسفي.
في هذه المناسبة ننتهزها فرصة، ونطالب الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي والمجتمع الدولي، بالضغط على “المليشيات الحوثية”، للإفراج عن بقية الزملاء الصحافيين والمغيّبين قسرًا في سجونها.

* صحافي يمني اختطف سابقًا من قبل “مليشيات الحوثي”.
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى