تربية وثقافة

قراءة في كتاب: “من بلاط الشاه إلى ضاحية بيروت” لـلدكتور خالد الحاج

وليد حسين الخطيب/ لبنان

خاص “المدارنت”
يقدّم د. خالد مفيد الحاج في كتابه: “من بلاط الشاه إلى ضاحية بيروت”
المسار الخفي للعلاقات اللبنانية/ الإيرانية بين الوثيقة والتاريخ المضاد؛ عملًا توثيقيًّا بالغ الأهمية، يعيد من خلاله قراءة تاريخ العلاقات اللبنانية/ الإيرانية، في مسار يمتد من زمن الشاه محمد رضا بهلوي، وصولًا إلى مرحلة ما بعد «طوفان الأقصى».
وفي زمن تختلط الروايات بالانطباعات، وتغيب الحقائق خلف ضباب الاصطفافات، يأتي هذا العمل ليملأ فجوة معرفية ظلّت مهملة طويلًا، أو مغلّفة بخطابات أيديولوجية متنافسة.

يعتمد الحاج في كتابه الصادر عن دار النهار، في 720 صفحة، والذي يشمل مقدمة لزياد شبيب وملاحق.. على منهج تاريخي صارم، يستند إلى أرشيف كثيف من الوثائق الأميركية السرّية (سي آي أي، البيت الأبيض، وزارة الخارجية..)، إلى جانب وثائق إيرانية رسمية ومحاضر اجتماعات داخلية؛ تعود إلى مرحلة ما قبل الثورة وما بعدها.
ولعلّ هذا الجمع بين الضفتين – الأميركية والإيرانية – يمنح الكتاب قوّة نادرة، إذ يتيح للقارئ أن يتتبّع مسارًا متعرّجًا من التفاهمات، والخصومات، والتحولات العميقة التي رسمت ملامح العلاقة بين بلد صغير مثل لبنان؛ وقوة إقليمية صاعدة مثل إيران.

يبرز العمل في تفكيكه لمرحلة الشاه، حيث يكشف المؤلف عن علاقات غير مألوفة بين طهران، ومجموعة من القوى المسيحية اللبنانية، وفي مقدّمها كميل شمعون وبيار الجميل، اللذين رأيا في إيران “الشاهنشاهية”، سندًا سياسيًّا واقتصاديًّا.
ويذهب الكتاب أبعد من السرد التقليدي عبر تتبّع ملفات حساسة، مثل قضية تيمور بختيار – قائد السافاك – الذي اعتُقِل في بيروت في العام 1968، وما ترتّب على تلك الحادثة من تداعيات ديبلوماسية وأمنية، تكشف حجم التداخل بين الأمن والسياسة والإعلام في تلك الحقبة.

كما يفرد الحاج فصلًا مهمًا لتناول العلاقة المعقدة بين الصحافة اللبنانية، وجهاز “السافاك”، مسلطًا الضوء على شبكات النفوذ والتمويل التي امتدت من طهران إلى مؤسسات إعلامية لبنانية، وعلى استخدام الصحافة في تلك المرحلة أداة تأثير سياسي عميق، بصمت أحيانًا، وبضجيج كبير أحيانًا أخرى.
أمّا في مرحلة ما بعد الثورة الإسلامية، فيعرّج الكتاب على التحول الجذري في المقاربة الإيرانية للبنان، من بوابة الحرس الثوري، والارتباط بالبيئة الشيعية اللبنانية تحديدًا، وما رافق ذلك من دعم عسكري ومالي وتنظيمي للحركات الناشئة، وصولًا إلى تشكّل أدوار جديدة أعادت رسم ميزان القوى الداخلي في البلاد. ويبرز المؤلف هنا قدرة لافتة على تحليل البنية الأيديولوجية التي حكمت علاقة طهران بالقوى اللبنانية، وكيف تراكمت عوامل التأثير حتى بلغت ذروتها في العقدين الأخيرين.
ومن بين المحطات التي يعالجها المؤلف بعمق، العلاقة الإيرانية مع حركات المقاومة الفلسطينية، لا سيما «حماس»، ومعنى انتقال هذه العلاقة من حدود الدعم اللوجستي إلى مستوى الشراكة الإقليمية الممتدة، بما ينعكس مباشرة على الساحة اللبنانية.
وهنا يتوقف الحاج عند مشهد «طوفان الأقصى»، بوصفه نقطة اختبار كبرى لطبيعة هذه العلاقات، وامتداداتها السياسية والعسكرية.

يمتاز الكتاب، بأنّه لا يكتفي بتقديم رواية خطية، بل ينفتح على أسئلة حول النفوذ والسلطة والاقتصاد، موضحًا كيف شكّلت العلاقة اللبنانية/ الإيرانية؛ مساحة لتقاطعات مصالح، وتنافس أجهزة، وتبادل رسائل بين قوى إقليمية ودولية، ما جعل لبنان – في هذا السياق – مرآة مصغّرة لفهم الصراعات الكبرى في المنطقة.
على امتداد أكثر من سبعمئة صفحة، ينجح خالد الحاج في تقديم سردية دقيقة، موثّقة، جريئة، تضيء العتمات وتكشف المسكوت عنه، من دون أن تنجرّ إلى خطاب تعبوي أو محاكمة مسبقة. إنّه كتاب يضيف إلى المكتبة العربية عمقًا نوعيًّا، ويمنح القارئ مادة معرفية صلبة حول إحدى أكثر العلاقات تعقيدًا في الشرق الأوسط.
بهذا المعنى، يمكن القول أن كتاب: من بلاط الشاه إلى ضاحية بيروت”، ليس مجرد مؤلَّف تاريخي، بل هو خريطة فهم لماضٍ لم يُقرأ كما يجب، وحاضرٍ تتداخل فيه الحقائق بالأساطير، ومستقبلٍ لا يمكن مقاربته من دون وعي جذور هذا المسار الخفيّ الذي يربط بيروت بطهران منذ نصف قرن.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى