مقالات

كيف سيواجه العرب “العقيدة الأمنية الإسرائيلية”؟

“المدارنت”
في 18 تشرين أول/ أكتوبر، نشر (الإرهابي الصهيوني) بنيامين نتنياهو، رئيس حكومة “إسرائيل”، تفاصيل عقيدته الأمنية الجديدة، القائمة على المبادأة والهجوم الاستباقي والتفوق العسكري، وفي 23 تشرين أول/ أكتوبر، وقبل أيام من انتخابات الكنيست، وقع هجوم في مدينة الخليل أسفر عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة ثلاثة، فانطلق مسؤولو الحكومة الإسرائيلية في تصريحات مسعورة وإجراءات لإقفال الضفة الغربية بأكملها وبدء عمليات عسكرية انتقامية ضد الفلسطينيين.

بينما كان رئيس حكومة إسرائيل يعرض خططه لإعادة تشكيل أمن الشرق الأوسط، جاء الهجوم ليذكّر الطغمة الإسرائيلية الفالتة من كل عقال، بأن التفوق العسكري، مهما توحّش وتغوّل، لا يستطيع إلغاء أسباب الصراع السياسية التي تنتج وتعيد إنتاج العنف.

لا تتعلق مفارقة «العقيدة الأمنية» المعلنة بحدود فكرة نتنياهو وشركاه عن قدرة القوة الإسرائيلية على تنفيذ «حل نهائي» يلغي الفلسطينيين من الوجود، بل بطبيعة النظام الإقليمي الذي تعتقد إسرائيل أنها يمكن أن تفرضه على الجميع. لا تكتفي عقيدة نتنياهو بتحديد الأخطار المباشرة، وإنما توسّع مفهوم التهديد ليشمل محورا تقوده إيران، وآخر تنسب قيادته إلى تركيا تحت عنوان «الإخوان المسلمين»، وتبني خططا على تحالف «المحورين» ضدها، مقدمة تصورا لأمن الدولة العبرية يقوم على «التفوق العسكري الدائم»، وإجهاض الأخطار «قبل نشوئها»، وتوسيع «التحالفات» التي تكرّس مكانتها كقوة إقليمية مهيمنة.

تشهد المنطقة، في الآن نفسه، تحرّكات لإنشاء منظومة أمنية بديلة؛ فقد أسس «اتفاق مكة للدفاع المشترك» بين السعودية وتركيا وباكستان لالتزامات دفاعية متبادلة، وتبع ذلك إعلان «مذكرة بدر» التي جمعت قطر وتركيا وباكستان وإندونيسيا، وتزامن الحدثان مع تحوّل لافت في موقف قيادة شرق ليبيا من الاتفاق البحري مع أنقرة، ويمكن اعتبار الاجتماع الذي استضافته إسطنبول أمس الجمعة ضمن هذا الإطار، وحضره وزراء خارجية تركيا ومصر والسعودية وباكستان وثلاث دول أوروبية لبحث قضايا فلسطين، ومضيق هرمز، وحرب اليمن.

غير أن هذه التحرّكات جميعها لا تشير إلى ولادة عقيدة أمنية مقابلة للعقيدة الإسرائيلية التي تهدد المنطقة بأكملها وليس الفلسطينيين فحسب، فلا توجد قيادة مشتركة أو رؤية موحدة للأخطار والمصالح، وتكشف الخلافات بين القوى المشاركة عن تناقضات لافتة حيث تختلف مواقف السعودية، الداعمة للحكومة الشرعية في اليمن، عن مواقف الإمارات التي تؤيد القوى الانفصالية، كما يظهر اختلاف عميق في دعم الرياض لمجلس «السيادة» في السودان، فيما تقوم الإمارات بدعم «قوات الدعم السريع»، وتتعاون تركيا مع مصر في ملفات إقليمية بينما تعارض القاهرة الاتفاق البحري مع ليبيا، بشكل يجمع المواقف المصرية مع اليونانية والإسرائيلية في شرق الأوسط.

لا تعترض هذه التناقضات مساعي بناء محور مضاد لإسرائيل فحسب بل تعبّر أيضا عن طبيعة المرحلة الانتقالية التي تعيشها المنطقة العربية. خلصت السعودية، ودول خليجية أخرى، على الأغلب، إلى أن فشل مفهوم الحماية الأمريكية، وسعت بناء على ذلك إلى تقليص اعتمادها الأمني على واشنطن، وتنويع شراكاتها، وحماية مصالحها في الممرات البحرية ومصادر الطاقة ومناطق النفوذ، لكنها لم تتفق على ضرورة وجود نظام جماعي يضبط تنافسها، كما هو الحال في «الاتحاد الأوروبي» على سبيل المثال. نتج عن ذلك تعددية في مراكز القوة أكثر منها تعددية في مشاريع الأمن المشترك.

من اللافت للنظر، هنا، وجود توافق بين التحالفات الإقليمية الناشئة، على اختلاف أهدافها، والعقيدة الأمنية الإسرائيلية، بلقائها عند أولوية أمن الدول والأمن العسكري، فيما يتراجع مفهوم أمن الشعوب وحقوقها السياسية والاجتماعية، فالاتفاقات الدفاعية قد تسهم في حماية الحدود، وتؤمن التحالفات البحرية طرق التجارة، لكنها لا تقدم بالضرورة حلولا للاحتلال أو الاستبداد أو الحروب الأهلية.


تكتسب حادثة الخليل هنا دلالة أوسع، فالقضية الفلسطينية ليست مجرد تحدّ أمني يمكن احتواؤه بالحصار والاستيطان والعمليات العسكرية، كما أنها ليست ملفّا ثانويا يمكن تأجيله إلى حين اكتمال الترتيبات الإقليمية الجديدة. القضية الفلسطينية هي اختبار جوهري لأي مفهوم للأمن يتجاوز منطق القوة إلى الشرعية والحقوق والسيادة.

قد تنجح إسرائيل في ترسيخ تفوقها العسكري، وقد تنجح منظومة التحالفات العربية/ الإسلامية في توسيع استقلاليتها الاستراتيجية، لكن المنطقة ستبقى أسيرة الصراعات ما لم تنتقل من أمن الأنظمة والدول إلى أمن المجتمعات والشعوب.

لمواجهة «العقيدة الأمنية الإسرائيلية» المتغلّبة والمزعزعة لاستقرار كامل المنطقة، المطلوب من المجال العربي – الإسلامي ليس جيوشا أكبر وعقائد عسكرية أكثر صلابة ومركزية فحسب، بل عقيدة تجمع بين الإرث العربي – الإسلامي العظيم وما اكتسبته الإنسانية من شرع وحقوق حديثة ترفع أسس العدالة والتنمية والاستقرار.

رأي “القدس العربي” اليوم
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى