مقالات

مجتبى خامنئي ورهان القبضة الأمنية الفاشل!

حسين عابديني/ بريطانيا

خاص “المدارنت”
تكشف إعادة حسين طائب إلى الواجهة الأمنية في طهران، وفقاً للتقرير، عن طبيعة المرحلة التي تمر بها منظومة الحكم في إيران، وعن الخيارات التي يبدو أن مجتبى خامنئي يراهن عليها في مواجهة التحديات المتصاعدة. فاستدعاء شخصية ارتبط اسمها لعقود بالأجهزة الاستخبارية والقمعية لا يبدو مجرد تغيير إداري، بل يعكس توجهاً لإعادة بناء شبكة أمنية شديدة الولاء حول مركز القرار، في وقت تتزايد فيه مؤشرات التصدع داخل بنية السلطة.

وتكتسب عودة طائب دلالتها من سجله الطويل داخل الأجهزة الأمنية، ومن علاقاته المتشعبة داخل حرس النظام ومؤسسات القمع. فالشخصيات التي تمتلك خبرة واسعة في إدارة الملفات الأمنية وشبكات النفوذ والولاء تصبح، في لحظات الأزمات، أدوات مفضلة لدى الأنظمة التي تشعر بأن الأرض السياسية تضيق من حولها. ومن هذه الزاوية، فإن إعادة تدوير الوجوه القديمة قد تكون محاولة لتعويض تراجع الثقة داخل مؤسسات الحكم، وتركيز القرار الأمني في أيدي دائرة أكثر التصاقاً بمركز السلطة.

غير أن الرهان على القبضة الأمنية يكشف في الوقت نفسه عن مفارقة أساسية: كلما ازداد اعتماد النظام على القوة لإدارة المجتمع، برزت أكثر هشاشته السياسية. فالأمن يستطيع فرض الصمت، لكنه لا يستطيع إنتاج القبول؛ ويمكنه احتواء احتجاج لفترة، لكنه لا يستطيع إزالة الأسباب التي تدفع الناس إلى الاحتجاج.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية أمام مجتبى خامنئي. فالأزمة الإيرانية لا تختزل في اضطرابات أمنية يمكن إخمادها بالمداهمات والاعتقالات وتشديد الرقابة، وإنما تتصل بتراكم أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية عميقة، وباتساع الفجوة بين السلطة وقطاعات واسعة من المجتمع. كما أن استمرار نشاط وحدات المقاومة، وفق ما يورده التقرير، يضيف بعداً آخر إلى معادلة المواجهة، ويجعل معالجة الأزمة بالوسائل الأمنية وحدها أكثر تعقيداً.

وما يزيد من خطورة هذا الرهان هو أن الشارع الإيراني يواجه أزمة معيشية واقتصادية طاحنة ناتجة عن التضخم المزمن وانهيار العملة، وهو ما يضع المجتمع على شفا الانفجار؛ إذ تدرك الأوساط الأمنية نفسها أن سياسات «الصدمة الاقتصادية» وفرض الأعباء على المواطنين لم تعد قابلة للاستمرار، وأن أي ضغط إضافي سيعيد الجماهير فوراً إلى الشوارع. فاستمرار القمع في ظل عجز السلطة عن تقديم أدنى الحلول للأزمات المعيشية لن يؤدي إلا إلى تسريع الصدام وتغذية الغضب الشعبي.

ومن ثم، فإن إعادة شخصيات أمنية ذات سجل قمعي إلى مواقع مؤثرة قد تمنح السلطة قدرة أكبر على السيطرة قصيرة الأمد، لكنها لا تقدم حلاً لأزمة الشرعية. بل قد تؤدي، على العكس، إلى تعميق الاحتقان وتحويل القمع من وسيلة لحماية النظام إلى عامل إضافي في تقويضه.

إن السلطة التي تحتاج باستمرار إلى توسيع حزامها الأمني لحماية مركزها السياسي تكشف، من حيث لا تريد، عن حجم القلق الذي يعتمل داخلها. ولذلك فإن عودة حسين طائب لا ينبغي النظر إليها فقط بوصفها عودة رجل أمن، بل بوصفها مؤشراً على أن مجتبى خامنئي يواجه أزمة ثقة وتماسك يحاول معالجتها بالأدوات التي يجيدها النظام أكثر من غيرها: الأمن والقوة.

لكن التاريخ السياسي يثبت أن القبضة الحديدية قد تؤجل لحظة الانفجار، لكنها لا تلغي أسبابه. فحين تتراكم الأزمات ويتراجع الأمل بالإصلاح، يصبح تشديد القمع دليلاً على عمق المأزق، لا على قوة النظام.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى