مقالات

هل بات الصراع في السودان حربًا بالوكالة؟

“المدارنت”
في جلسة استماع أمام لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الأمريكي في حزيران/ يونيو المنصرم، قال وزير الخارجية ماركو روبيو، (إن الحرب في السودان تحولت إلى صراع بالوكالة بين عدة دول، وقد زاد الانقسام بين الإمارات والسعودية من صعوبة وضع حد لها). وأضاف (المشكلة الحقيقية والأمر الأكثر إحباطا في السودان، هو أن أحد الطرفين يوافق على شيء ما، ثم يرفض الالتزام به)، في إشارة إلى الجيش السوداني وميليشيا الدعم السريع. فهل صحيح وواقعي أن الحرب هي حرب بالوكالة؟ وكيف أثّرت التدخلات الإقليمية والدولية على فُرص إنهاء هذا الصراع؟

تُبيّن تلك الإحاطة التي تقدم بها روبيو أمام الكونغرس الأمريكي، أنها وصف واقعي للحالة السودانية، إلا أنها في الوقت نفسه مُحبطة أن تأتي من الدولة الأولى في العالم، خاصة عندما قال، إن السودان ليس على جدول الاهتمام في الأجندة الأمريكية للإدارة الحالية. وعليه قد يكون ما أشار إليه روبيو من التباين، بين السعودية والإمارات، وتأثير ذلك على القضية السودانية، هو مجرد تبرير لعدم وجود إرادة أمريكية لوضع حل، لهذا الملف بالطريقة التي يجب أن تكون عليه. ومع ذلك تبقى الحرب القائمة اليوم في السودان، بين القوات المسلحة السودانية وميليشيا الدعم السريع المنشقة عن الجيش السوداني، هي بمعايير القانون الدولي حرب داخلية. لكن هذه الحرب الداخلية ما كان لها أن تمتد إلى عامها الرابع، لو لم تكن هنالك أطراف تمد في عُمر هذا الصراع، وتدعم الطرفين ماديا وعسكريا ودبلوماسيا، في أروقة صنع القرار الدولي.

وعليه فإن إشارة روبيو هي ملاحظة مهمة جدا في توصيف الصراع القائم الآن، في أنه قد تحوّل إلى صراع داخلي ـ إقليمي ـ دولي. وهذا ما دفع لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي، أن تشير إلى خطورة هذا الصراع، الذي قد يؤثر على السلم والأمن الدوليين، لكن هل يعكس حديث روبيو تحوّلا في فهم واشنطن لطبيعة الحرب السودانية؟

إن تصريح وزير الخارجية الأمريكية، لا يبدو أنه يعكس تحوّلا في الموقف الأمريكي، بقدر ما يعكس هروبا من استحقاق دولي تجاه السودان. وهو تبرير لضعف أداء واشنطن في إنهاء الحرب القائمة في هذا البلد، حيث ضمنيا يبدو وكأنه يُلقي الأعباء على القوى الإقليمية، التي أصبح السودان محل تعارض مصالح بالنسبة لها، إضافة إلى أنه يأتي في وقت تحاول فيه بعض القوى السودانية، ضمن جهود اللجنة الخماسية إيجاد حل. وفي الوقت ذاته يوضّح أن المُشكل السوداني الآن قد تجاوز أطرافه الداخلية إلى أطراف إقليمية ودولية، بينما يحتاج السودان الآن إلى أن ينتقل إلى مربع آخر. كما أن تصريح وزير الخارجية الأمريكي، فنّد الرأي الذي كان يقول، إنه لا الجيش السوداني ولا قوات الدعم السريع، اتخذوا خطوات مناسبة لتحقيق السلام، من خلال القول إن هنالك أطرافا أخرى يجب أن تقوم بدورها لإنهاء الحرب.

إن السؤال الأهم الذي يجب أن يُطرح اليوم هو، هل المُشكل في غياب الحلول؟ أم في غياب الإرادة، لوضع حد للحرب في السودان؟ والحقيقة هي أن الاثنين يكملان بعضهما الآخر. فالأطراف السودانية أصبحت تفتقر للإرادة الكاملة لتحقيق السلام، أولا. وثانيا أن السودان بموقعه الجيوسياسي أصبح وضع دولته يشكل إزعاجا لأطراف إقليمية كثيرة جدا. فالبحر الأحمر ومنطقة القرن الافريقي، أصبحتا بعد أحداث الشرق الأوسط والصراع القائم فيه، مركز ثقل إقليمي ودولي، وضعف الدولة السودانية والمؤثرات الخارجية التي تؤدي إلى انهيارها وتفككها، إلى جانب قضايا الهجرة وقضايا الأمن والإرهاب، كلها تجعل القوى الإقليمية والدولية تبحث عن تأمين عُمقها الأمني والاستراتيجي في المنطقة. هذه هي طبيعة الإقليم وطبيعة الدولة في السودان اليوم.

المؤشر الخطير هو أن الحرب في السودان اصبحت ككرة الثلج، لا تهدد استقرار السودان فقط، لكنها قد تمتد الآن إلى إثيوبيا وإرتيريا، خاصة أن هناك خلافات بينهم، وقد تمتد كذلك إلى الصومال، ما يفرض على القوى الدولية والإقليمية خطوات أكبر لاحتواء الصراع، وعدم الركون إلى المبادرات الفردية.

وفي هذا المجال لا بد من الإشارة إلى أن الرياض بادرت سابقا إلى محاولة جمع الأطراف المتحاربة إلى طاولة واحدة في مدينة جدة عدة مرات، بغية التوصل إلى حل لحالة الحرب في السودان، لكنها لم تؤد إلى أية نتيجة. وهذا دليل على عدم قدرة الطرفين المتحاربين على تنفيذ أية مبادرة. وعليه يبدو أن حالة توازن الضعف الحاكم في السودان أدى إلى إطالة الأزمة، حيث لا يوجد طرف قوي قادر على حسم الصراع لصالحه على حساب الآخر. كما لم تعد هنالك إرادة أمريكية لفرض حل، أيضا لا بد من القول إن الحرب في السودان هي جزء من الحرب الشاملة القائمة في المنطقة. فهناك أشبه ما يكون بمخطط استراتيجي في المنطقة ابتداء من غزة مرورا بليبيا فالسودان وانتهاء إلى أرض الصومال.

لذلك رأينا أن هناك حالة من استشراء النفوذ الإقليمي، للسيطرة على الممرات المائية وعلى البحر الأحمر. لذا يجب النظر إلى ما يجري في السودان، على أنه جزء لا يتجزأ من الحرب الدائرة في المنطقة ككل. وهنا لا بد من التأكيد على أن الحل في السودان يجب أن ينبع من ارادة داخلية سودانية، وتجريم وتحريم ومنع أي تدخل اقليمي. لكن هل الأطراف السودانية ما زالت تملك قرارها المستقل وقادرة على تجريم التدخلات الإقليمية؟

إن كل المؤشرات التي انعقدت لحل الصراع، كانت بقيادات مدنية سودانية وتحت رعاية دولية. وهذه القيادات كانت تشكل تجمعات مدنية، إما معارضة للحكم القائم، أو تجمعات فئوية، أو تجمعات مهنية، وكلها كان لها دور في قيام الثورة في السودان. لكن عندما اندلعت الحرب بات واقع هذه التجمعات شكلا آخر. فكل هذه الأطراف التي كان من الممكن أن تلعب دورا إيجابيا وعقلانيا في إيقاف الحرب، وقيادة حوار سوداني سوداني، يهدف إلى توافق سياسي يؤدي إلى استقرار سياسي، طغى عليها الكثير من الخلافات والانقسامات، ما ادى إلى عجزها عن وضع خريطة طريق سياسية تعيد الأمن والاستقرار إلى البلد. وعليه فإن الأوضاع الإقليمية والدولية الحالية، كلها تشير إلى أن حرب الاستنزاف بين الطرفين في الفترة المقبلة سوف تستمر، وأن القوى المدنية السودانية في اتجاهها إلى مزيد من الانقسام والتشظي. وكل المؤشرات تدل على أن الاطراف تستعد لجولة قادمة من التصعيد.

د. مثنى عبد الله/ “القدس العربي”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى