تربية وثقافة

وادي حليحل.. وادي جنوب الصويري*!

عمر سعيد/ لبنان

“المدارنت”
تركي النوري، آخر من تبقى من ريّاس النوَر..

وللنوَر تاريخ طويل في بلدتي الصويري، فقد عرفناهم منذ أن تفجّرت مياه العين، يسكنون خيمهم فوق نعصتها طوال الربيع والصيف، وإذا حل الشتاء، اختفى النَوَر، دون أن يدري أحد من سكان البلدة أين يختفون.
عرفنا قبله الريّس علي، ولكنّه غادرنا إلى بيادر جب جنين منذ عقود.
تغريني تجربة النوَر كثيرًا؛ للكتابة عن مجتمع بلا هوية، بلا وطن، بلا لغة، بلا ديانة، بلا عادات، وبلا ارتباط بعمل.
مجتمع ينام فيه الذكر داخل الخيمة، وتسرح الأنثى طوال النهار؛ لتعود مساء بما يكفي من قوت، من دون أن يسألها أحد أين كنت؟! بل ماذا جلبت؟!.
وعلى الرغم من شراسة ما يسمى بالحرب الأهلية، لم يهجر النور جوار عين الصويري، لكن كلّ شيء تبدّل، وما عادت البلدة كما وعيتها في ستينات القرن الماضي، إذ يبدو أن وصول المياه إلى بيوتنا عبر حنفيات وقاسطل معدنية، وحصولنا على الكهرباء عبر أسلاك تحملها أعمدة خشبية، كانا كفيلين بتغييرنا وتغيير البلدة، فجفت عين الصويري وغار ماؤها، واختفت الرّوّاية، وأقلع الناس عن اقتناء الحمير، وغابت الحرف اليدوية التي كان يتقنها بعض أهل البلدة، كصناعة الجلال، والنورج، والمكانس، وعود الحراثة الخشبي الذي كان يصنعه جدي محمد سعيد مرة كما يلقبونه.. وظلت قناطر العين الحجرية وسقفها الإسمنتي شاهدًا على طفولتي التي دفعتني للسباحة في حوضها، وعلى مراهقتي التي حملتني على التمدّد بعد مغيب الشمس فوق سطحها، لأتلصلص على ليلى النورية، يوم كانت تستحم في تلك الحياض.
كان نهدا ليلى أول وآخر ما اقتناه خيالي من صور الأنوثة. وإلى اليوم كفاني مشهد ذينك النهدين خمسة عقود من التمنى والتخيل، وإلى اليوم كلّما مررت بالعين، لمحت أصابعي تمتد، لعلي أمسك بنهديها قبل أن تخفيهما خلف ثوبها الرث. وإلى اليوم بقيت ليلى في مخيلتي عارية، تسيل قطرات الماء عن سمرة جسدها مسيل الصمغ على جذوع أشجار اللوز في وادي حليحل.
غابت ليلى مع مغيب مياه عين الضيعة، وغاب حور سيّجها، وتساقطت أجنحة عصافيره، وهاجرت قطعان الماشية عنها بلا عودة، واختفت دروب التراب التي كنا ننقش فوقها خطانا بأحذية الرِّبى (المطاط)، وتلاشت أنغام الربابة التي كانت تتناهى إلى مسامعنا من بين أصابع الريس علي، وخلت أسطح منازلنا من ألوان مونتنا، وأقفرت سماواتنا عن أسراب الطيور، التي كانت تزدحم بها في “التشارين”..
وحده الريس تركي بقي من ذلك الزمن، فقد ظل وفيًا للصويري، وآثر ألا يغادر، فجاور المرحوم عنتر زيتون قرابة عقدين، ثم اضطرته التغيرات إلى اللجوء إلى بيوت، ما انتهى أصحابها من بنائها، فاستأجرها وسكنها، وتنقل بين جدران عشرات منها، حتى زوّج أبناءه وأبناء أبنائه.
مررت به، فوجدته يقيس ظهر حمار، فسألته بعد أن سلّمت عليه:
لشو ع بتقيس ظهر الحمار، يا تركي؟!
فنظر إلي، وردّ محتدًّا: أولا هذا جحش، منو حمار.. ثانيا ع بقيسه لفصل له جلال. وحتّى ما يطلع الجلال ضيق عليه، لازم تقسيه من زراره (فوق ذيله) حتّى كتافه.. كان بملاحظته الأخير يتسعرض خبرته في قياس الجحاش.ثم أشعل سيجارته، وقفز فوق ظهر الجحش الأزلط، ووكزه بساقيه، وهو يقول:
العمى، حتّى كلمة ريس ما عدنا سمعناها، ملعون أبوك يا زمن..
وقد خلفني وراءه أراقب ابتعاده فوق جحش أغبر، راح يهش بذيله يمنة ويسرة، تحت الريس تركي.
لم تمضِ دقائق حتى عاد تركي يجر الحمار..
ربطه إلى وتد دقّه في الأرض، ومشى صوبي غير راض عمّا حصل؟! فسألته عن سبب عودته، فقال: ركبته حتّى قدِّر عرض ظهره قبل ما فصل له جلال..
ثمّ أدخل يده في جيبه، وسحب منها هوية لبنانية من تلك الخضراء القديمة، التي كانت بغلاف عليه الأرزة داخل دائرة صفراء، وفتحها وهو يقول:
ألله وكيلك ستي عمرها بهالهوية 120 سنة، يعني نحنا لبنانية من قبل لبنان!.
ففهمت أنّه يقصد لبنان ما بعد الاستقلال.
ثمّ روى لي أن صاحب البيت طالبه بالإخلاء، فاستأجر قطعة أرض؛ ليبني عليها ثلاث خيم له ولأبنائه، فبنى واحدة، ثم أوقفته السلطات بناء على ما يقضيه القانون.
وراح يلعن العيشة، ويسب الساعة التي تزوّج ، وخلّف فيها.
تعالى نهيق الحمار، فالتفت إليه وقال:
بعرضي إنك بتفهم أكثر من نسواني وأولادي.
كانت زوجته تستند إلى عامود مدخل الخيمة، فردّت عليه: وليش ما بتنام مع جحشك، بدل ما تنام معي؟
فغضب، ونزل يلتقط حجرًا، ليضربها به، وهو يقول: ولك عرفتي شو كان عم يقول الجحش، يا بنت الجحش؟
فسألته، وأنا أطالبه أن يهدأ ويروق، عمّا كان يقوله الحجش؟!
فالتفت إلي، وقال: ما بتزعل إذا خبرتك؟!
قلت: وعد.
قال: أول شي قال لي: يا ريس..
فأدركت أن الريس تركي؛ قد ردّها لي بهذه الإجابة، ثمّ أكمل: إلي شهرين لاحقه ع بقنعه حتّى زوجه، وهو رافض، وكل ما لحّيت عليه، قال لي: هاء.. هاء.. هاء..
بقيت ساكتًا، أراقب انفعاله وفلسفته التي لا تكلّفه لغة وقواعد وصرفًا ونحوًا، ثمّ قال:
هذا الجحش قال لي: إيه.. شو أنا حمار حتّى أغلط غلطتك؟! ثمّ حدّق في عيني، وقال: عرفت ليش قلت لك هذا جحش؟! لأن أنا الحمار..
ثمّ انصرف، ودخل الخيمة، وبقيت أنا أهمس لنفسي: حتّى النور تغيّروا، وما عاد الجلوس إليهم يفرّج الهم، ويزيل الكُرب!
فهل أكتب عن تجربة تغيّر أهلها، وانقرضوا؟!

* من كتاب: “الكتابة ليست علفًا” للروائي سعيد، قيد الإنجاز.
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى