مقالات

الثـورة.. حيـن “يَـركبـها” المُنافـق و”يُـغَـرَّب” الثائـر!

عمر بكر الحسيني/ سوريا

خاص “المدارنت”
ليست المأساة أن تقوم الثورة، ولا أن تتعثر خطواتها في دروب التغيير، فالثورات بطبيعتها مخاض عسير، تدفع الشعوب من أعمارها وأرزاقها وأرواح أبنائها أثمانًا باهظة؛ لتفتح نافذة نحو مستقبلٍ أكثر عدلًا وكرامة. إنما المأساة الحقيقية أن تأتي ساعة القطاف، فيتقدم الذين لم يزرعوا، ويحصد الذين لم يتذوّقوا مرارة المعاناة، ويجلس في صدر المشهد من لم يعرف يومًا حرارة الميدان، بينما يقف الثائر الحقيقي على الهامش، غريبًا عن ثورته، كأنما أخطأ الطريق إلى الحلم الذي أفنى عمره من أجله وأجل قضيته.

في البدايات، حين كانت الشوارع تضيق بأصحابها، وحين كان الهتاف مخاطرة، والكلمة تهمة، والموقف ثمنه قد يكون السجن أو الموت أو المنفى، لم يكن في المشهد مُتّسعٌ للمنافقين. كان الناس يعرفون بعضهم بصدق المواقف، لا ببراعة الخطابات وبحجم التضحيات لا بعدد الصور والشعارات، كان الثائر يخرج وهو لا يملك إلا صوته وإيمانه بحقه؛ ولم يكن يفكر في منصبٍ ينتظره أو مكسبٍ يدخره، بل كان يحلم بوطنٍ لا يخاف فيه الإنسان من قول الحقيقة، ولا يحتاج فيه الشريف إلى أن يخلع كرامته كي يعيش.

لكن الثورات، حين تنتقل من مرحلة المواجهة إلى مرحلة جَني الثمار، فهي تكشف وجوهًا لم تكن ظاهرة في زحام البدايات. يظهر من كان يراقب المشهد من بعيد؛ ينتظر أن تميل الكفّة ثم يختار اللحظة المناسبة ليرتدي ثوب الثورة، ومن ثم يتحدث بلغتها ويرفع شعاراتها ويتصدر صفوفها، حتى يخيل للناس أنه كان في مقدمة من صنعوا أحداثها.

هنا تبدأ الحكاية الأكثر مرارة؛ حكاية المنافق الذي يركب موجة الثورة، لا إيمانًا بمبادئها.. بل طمعًا في مكاسبها، فيتقن لغة التضحيات بعد أن تنتهي المخاطر، ويحفظ أسماء الشهداء حين تصبح أسماؤهم مفاتيح للنفوذ، ويتحدث عن الحرية، بعدما يتأكد أنها لن تكلفه كثيرًا، ويبدّل مواقفه كما يبدّل ثيابه، ويبرر تناقضاته بذكاء، حتى يصبح الانتهازي في نظر البعض رجل مرحلة، ويغدو صاحب المبدأ متهمًا بالتشدد أو العجز عن فهم الواقع.


إنه لا يحتاج إلى أن يهزم الثائر في معركة، بل يكفيه أن يسبقه إلى المنبر، ويستولي على الرواية، ويقنع الناس بأنه الأجدر بتمثيل الحلم، فالثورات لا تُسرق دائمًا بالقوة، أحيانًا تُسرق بالكلمات وبالتحالفات، وبإعادة كتابة الذاكرة؛ حتى يصبح من دفعوا الثمن مجرد أسماء في صفحات الماضي، بينما يتحوّل المتأخرون إلى أصحاب القرار في الحاضر.

أما الثائر الذي حمل الحلم في قلبه قبل أن تحمله اللافتات، فيجد نفسه أمام واقعٍ لم يتخيله؛ فيرى الوجوه التي كانت ترفع الشعارات ذاتها، وقد انشغلت بتوزيع المناصب والمكاسب، ويرى المبادئ التي خرج الناس من أجلها تتحول إلى عبارات للاستهلاك، ويكتشف أن بعض من يتحدثون باسم الشعب؛ لم يعودوا يسمعون صوته، وأن بعض من وعدوا بالعدالة؛ صاروا يطلبون من المظلومين الصمت باسم الاستقرار، ومن المعترضين الانتظار باسم الحكمة؛ ومن أصحاب الحقوق التنازل باسم الواقعية والضرورة.
هنا يعيش الثائر غربته بصمت..

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى