ديوان “رهف” للشاعر وليد الخطيب: الحب متجوّلًا في حدائق اللغة!

“المدارنت”
صدر عن “دار الانتشار العربي” في بيروت، ديوان بعنوان: “رهف”، للشاعر اللبناني وليد حسين الخطيب، قدّم للديوان د. خالد كموني. في هذا الديوان، كما في الديوان السابق بين هذا وذاك، تجتمع الثنائيات المتناقضة تحت سقف واحد، اللحظة الآنيّة في جوار اللحظة المفتوحة على الزمن، الشعر الموزون في جوار الشعر الحرّ، قصائد تخرج من إطار محدّد إزاء قصائد أخرى تبقى أسيرة المناسبة التي خرجت منها، باستثناء ما تضمّنه الكتاب عن غزّة.
قصيدة: “طفل غزّة”، تحكي عن فصل من المأساة الفلسطينيّة، لكنّها، في الوقت نفسه، صورة عن مأساة الإنسان عبر العصور، وعن تَواصُل هذه المأساة من جيل إلى آخر.
في هذا السياق، يطلق الشاعر صرخته في قصيدة “اغتيال غزّة”: ” لم نعد نريد كثيرًا/ فقط أن يهدأ ضجيج القتل حولنا/ لنكفَّ عن الموت”. وبهذا المعنى، يصبح طفل غزّة، الذي “يحتمي من كلّ شيء باللّاشيء”، طفلَ العالم في زمن الحروب، حين يضيع معنى الحياة، ومعنى الطفولة التي، إن انقصَفت، كما قال الشاعر، “الأشجار فيها تقف حزينة/ من دون عصافير وفراشات”.
ويتحسّر على الحيوات المهدورة: “كم عُمرًا لنا لنصرفه في الحروب؟/ كم روحًا لنا لتشيخ في دهاليزها؟”.
حيال هذه المجموعة الشعرية المتعدّدة المواضيع والطبقات، سأتوقّف خصوصًا عند الزاوية التي تناول فيها الشاعر موضوع الحبّ، وهي تجمع بتناغم بين المُقيم والعابر، بين المحدود والمُطلَق.
في الإهداء، تحدّث الشاعر عن رهف التي “لم تمشِ على الأرض”، وعن اسمها الذي “يتجوّل في حدائق اللغة”. إنها “الكلمات التي لا تُقال إلّا حين يُخذَل الصوت”. و”رهف”، هي الأنثى-الأُمنِية، الكائن المتخيَّل والحبّ الذي لم يتجسّد، بل الحبّ المستحيل المتمثّل في فكرة وجود هذا الكائن وانعدام وجوده في آن واحد. هنا، تتحرّك القصيدة، وينجلي دافع الكتابة حين يكون الكاتب نفسه رهن ذلك الوجود المؤجَّل منذ البداية.
تُرى، من تكون هذه الأنثى الحاضرة رغم غيابها؟ وهل من مجاز يتمثّلها، هي المتماهية مع الهواء والعناصر: “أنثى الورود”، “النسغ الأحمر”، “الرحيق وضَوع العطر”. يلتفت وليد الخطيب إلى هذه الأنثى رابطًا مصيره بمصيرها:
“تمنّيتُ أن تكوني حتّى أكون”. عدم اكتمال الفرد الواحد، حالة إنسانية تذكّرنا بأسطورة أريسطوفان التي تقدّم تصوُّرًا رمزيًّا عن الحبّ. وهذا ما لمسناه أيضًا في مجموعة الشاعر السابقة. إنها أسطورة تروي أصل الإنسان:
حكاية الكائن الأندروجيني في كتلته الواحدة. تقول الحكاية أنّ البشر في البدء، طمعوا، وهم في غمرة قوّتهم، بأن ينازعوا الآلهة عروشهم، فانتقم زيّوس من جرأتهم، وشطرهم نصفين، وزرع في أعماقهم حنينًا لا ينطفئ إلى استعادة تكوينهم الأوّل. من هنا وُلدت فكرة “توأم الروح”، أي فكرة الكائن الذي لا يكتمل وجودنا إلّا بوجوده.
هذه الاستعارة تمنح الحبّ صورةً آسرة تكشف عن جوهره العميق: العشق يأتي من النقصان، وكلّ عاشق يبحث في الآخر عن الجزء الغائب من كيانه. الإحساس بالفقد لا يتوقّف عند حدّ، مهما مرَّ الزمن. “أيّ فراق هذا، رغم مجيء الرّدى؟”، يقول وليد الخطيب، في قصيدة “أنا وأنت ولحن الوجود”.
هكذا لا يعود ثمّة فرق بين القرب والبعد، من فرط شدّة هذا الإحساس، الأمر الذي يحيلنا إلى الاتحاد الصوفيّ. ألا يقول الحلّاج الذي يلهج بحضور الغائب: “فإذا أنت أنا لا نفترق”؟ ضمن هذا الأفق، ومهما باعد الزمان والمكان، يبقى القرب الحقيقيّ قربًا داخليًّا، في القلب والوجدان.
ذوبان العاشق في المعشوق مرادف للبنية العشقيّة التي تبنّاها الخطاب الصوفيّ للتعبير عن سرّ القرب رغم البعد. ولقد استعار الصوفيّون لغة الحبّ الإنسانيّ للتعبير عن حبّهم الإلهي، كما تحدّثت تيريزا الآبليّة عن مخلِّصها كما لو أنّه حبيبها. في شعر الحبّ هذا، البشريّ والإلهيّ على السواء، يصبح الآخر هو المُطلَق والهدف النهائيّ. ولهذا السبب، تقيم قصيدة الحبّ التي يصوغها وليد الخطيب داخل البرهة الشعريّة لا خارجها.
الحبّ، هنا، ليس نزوة، بل حنين عميق إلى الاكتمال الأصلي. إنه توق الإنسان إلى إعادة بناء ذاته الناقصة، والبحث في الآخر عن الجزء الغائب من كيانه. يتألّم العاشق من حبّه المستحيل، فهو لا يرى في المرأة “موضوعًا للحبّ” فحسب، بل يشعر بأنّ فقدانها يعادل فقدان شيء من ذاته. لذا فإنّ غيابها أعمق من أن يُختزل في خيبة عاطفية.

في التجربة الشعرية، يتحوّل هذا الجرح إلى لغة. كثير من الشعراء كتبوا عن الحبيبة الغائبة بوصفها أفقًا مستحيلًا أو حضورًا ميتافيزيقيًّا. فالغرام لا يكتمل بالوصل وحده، بل غالبًا ما يكتمل باللوعة، لأنّ اللوعة تحفظ الشعور بالبحث الدائم.
الشعر، هنا، لا ينحصر في الحبّ الجسديّ أو العاطفيّ، بل يحيل إلى الشرط الإنسانيّ كلّه: الإنسان ناقص بالضرورة، وهذا ما يولّد الشعور بالحنين الموجع الذي عبَّر عنه الكثير من الشعراء والمتصوّفة. يقول جلال الدين الرومي في تصوير الناي كرمز للروح الممزّقة، المقطوعة من أصلها: “أنصت إلى الناي يروي حكايته، ويشكو مرارة الفراق، منذ أن قُطِعتُ من القصب، والناسُ يبكون لبكائي.” لهذا فالحبّ تَوق إلى اكتمالٍ يتعذّر بلوغه، ونحن، في جوهرنا، أمام حقيقتنا العارية: فُتات أرواح تبحث عن اكتمالها.
الحبّ المستحيل إذًا ليس العجز عن اللقاء، بل تذكير مرير بأنّ الإنسان كائن من طينة النقصان، وأنّ كلّ حبّ، مهما بلغ شأنه، لا يعيدنا إلى الواحد الأوّل، ولذلك فهو جرح وجوديّ عميق.
من جهة الحبّ، يأتي وليد الخطيب. وهو، بهذا المعنى، شاعر يسكنه الحبّ قبل كلّ شيء. صحيح أنّ “رهف” لم تأتِ، لكنّها حاضرة، بل هي الأكثر حضورًا. إنّها الحنين الأبديّ إلى النصف الضائع منذ الأزمنة الأولى؛ الأمل المرتجى، التوق إلى الخلاص وانتظار الفجر الآتي بعد ليل طويل.



