تربية وثقافة

سامر المصري… حين تصبح المسافة كلامًا بين نظرةٍ تخترق… وجسدٍ يتردّد

 

وليد حسين الخطيب/ لبنان

خاص “المدارنت”
يقدّم سامر المصري في “النويلاتي” لغة جسد تقوم على النقيض الهادئ، لا على المواجهة المباشرة. حضوره لا يندفع إلى الأمام بقدر ما يتقدّم بحذر، كأن الجسد عنده يفكّر قبل أن يتحرّك. انحناءة خفيفة في الجذع، وكتفان لا يستقيمان تمامًا، توحيان بثقلٍ داخلي لا يُقال، وبحالة من الترقّب المستمر، كمن يحمل أكثر مما يُظهر، ويختار أن يؤجّل الإفصاح.

أما الوجه، فيتخذ هيئة الحارس الصامت. فكّ مشدود بدرجة خفيفة، وشفتان مطبقتان لا على سبيل الرفض، بل كأنها تخشى أن تسبق الكلام. لا انفعالات حادّة، بل توتّر خافت يتسرّب عبر التفاصيل الصغيرة، ويمنح الملامح عمقًا غير مصطنع. هنا، لا يكون التعبير في ما يظهر، بل في ما يُكبح.

أمّا في العينين، فتتجلّى خصوصية هذا الأداء. حيث لا نظرة قاطعة أو مخترِقة، بل نظرة تميل إلى الداخل، تنخفض قليلًا قبل أن تعود، كأنها تمرّ بمحطّة تأمّل سريعة. لا يواجه الآخر بنظرة صدامية، بل بنظرة تفكّر فيه، تزن حضوره، وربما تراجع ذاتها أيضًا. وهذا ما يمنح اللحظة طابعًا إنسانيًّا، بعيدًا من الحسم أو الادّعاء.

أما اليدان، فتغيبان أكثر مما تحضران. لا تلوّحان، ولا تتدخّلان إلا نادرًا، كأنهما جزء من اقتصاد جسدي عام، يجعل كل حركة محسوبة، وكل إيماءة ذات معنًى. وحين تتحرّكان، لا تأتيان كزينة، بل كضرورة، فتكتسبان وزنًا مضاعفًا داخل المشهد.
وفي علاقته مع “خولة”، تتجلّى لعبة المسافة بأبهى صورها. فإذا كانت هي ترسم حدودها بثبات، فإن جسده لا يسعى إلى كسرها، بل إلى الاقتراب منها بحذر. خطوة إلى الأمام، تتبعها وقفة قصيرة، كأن الاقتراب ذاته يحتاج إلى إذن غير معلن. هنا، لا يكون الصراع في الكلمات، بل في المسافة بين جسدين: واحدة تحمي عالمها، وآخر يحاول أن يجد له موطئ قدم فيه من دون أن يخلخل توازنه.


ما يميّز هذا الأداء، في محصّلته، أنه لا يقدّم جسدًا قويًّا بالمعنى الصريح، بل جسدًا واعيًا بثقله. قوةٌ لا تُستعرض، بل تُكبح، وحضورٌ لا يفرض نفسه، بل يتسرّب بهدوء. وفي هذا التردّد المدروس، بين الرغبة والاحتراس، تتشكّل شخصية تبدو متماسكة في ظاهرها، لكنها تحمل في عمقها ذلك الاضطراب الإنساني الذي لا يظهر إلا لمن يُنعم النظر.

وعلى الرغم من هذا الاتساق الواضح، فإنّ في الإمكان ملاحظة ميلٍ متكرّر نحو الانكفاء البصري وخفض النظرة في عدد من المشاهد، ما يمنح الأداء إيقاعًا واحدًا في بعض اللحظات. غير أن هذا الخيار، في سياقه العام، يظلّ منسجمًا مع طبيعة الشخصية، ويخدم بناءها أكثر مما يقيّدها، ليبقى “فيصل” حضورًا هادئًا، لكنه عالق في الذاكرة، بما لا يقوله، أكثر مما يعلنه.

والجدير بالذكر أن مسلسل “النويلاتي”، كان ضمن أعمال موسم رمضان 2026، متكئًا في رؤيته الإخراجية على يزن شربتجي، المعروف بقدرته اللافتة على التقاط التفاصيل الدقيقة، وصوغها ضمن إيقاع بصري هادئ يمنح الشخصيات فسحة كافية لتتنفّس وتتجلّى تدرّجا. ولا يبدو هذا الخيار الإخراجي منفصلًا عن طبيعة النص، بل منسجمًا معه على نحو عميق، إذ يتقدّم الاشتغال على البنية الداخلية لكل شخصية وصراعاتها النفسية على حساب المفاجآت الحدثية، بما يرسّخ بُعدًا دراميًّا أكثر تماسكًا وصدقًا.

ويضمّ مسلسل “النويلاتي”، كوكبة من أبرز نجوم الدراما السورية، في مقدّمهم ديمة قندلفت وسامر المصري، إلى جانب كلٍّ من فادي صبيح ومحمد حداقي وفايز قزق ونادين تحسين بيك… إضافة إلى مشاركة لافتة لوجوه شابة تبثّ في العمل روحًا متجددة، وتُساهم في توسيع مداه السردي، عبر مقاربة تضع جيلًا متشبثًا بإرثه في مواجهة جيل آخر يسعى إلى إعادة قراءته وصوغه من جديد.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى