مقالات

سقوط “الأيديولوجيا” أمام سيطرة “التكنولوجيا”.. الجزء (2-2)

عبد الناصر طه/ لبنان

خاص “المدارنت”
=========

نموذج بوكيلي: السياسة بعد “الايديولوجيا”
ما زال الرئيس السلفادوري؛ يقدم نموذجاً لافتاً في هذا التحول، فصعوده السياسي لم يكن قائماً على إعادة إنتاج الصراع التقليدي بين اليمين واليسار، بقدر ما قام على تقديم إجابات مباشرة لمشكلات يشعر بها المواطن يومياً، وفي مقدمتها الجريمة والعنف، والجريمة المنظمة،والفساد وضعف الدولة.

وقد جعلت سياساته الأمنية الصارمة السلفادور؛ أكثر أمناً بصورة كبيرة، وهو ما منحه شعبية واسعة.
وهنا تكمن أهمية التجربة، لا في اعتبارها نموذجاً كاملاً أو مثالاً يجب نسخه، بل في أنها كشفت شيئاً مهماً: المواطن الذي كان عليه أن يختار بين اليمين واليسار، قد يصبح أكثر اهتماماً بسؤال أبسط: هل أستطيع أن أمشي في الشارع بأمان؟ هل القانون يطبق؟ هل الدولة تعمل؟
وهذا هو التحدي الحقيقي أمام الأحزاب التقليدية.

المشكلة ليست في كبار السن
من الخطأ القول إن الأحزاب تفشل لأن قياداتها مُسنّة؛ فالعمر ليس عائقاً أمام التجديد إذا كان العقل متجدداً.
المشكلة عندما يحمل السياسي عقلية قديمة إلى عالم جديد؛ عندما يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بعقلية المنبر الحزبي، ويستخدم التكنولوجيا بعقلية البيروقراطية، ويدير الشباب بعقلية الوصاية، وينظر إلى الحزب باعتباره ملكاً شخصياً.
والمشكلة ليست في عمر القائد، بل في عمر الفكرة داخل رأسه.
فقد يكون الشاب أكثر محافظة من رجل مُسنّ، وقد يكون الرجل المُسنّ أكثر انفتاحاً وتجديداً من جيل كامل. لذلك لا نحتاج إلى “تجديد دماء” فقط، بل إلى تجديد العقل السياسي.

من حكم الأشخاص إلى حكم المؤسسات
الحاكم في دول العالم الثالث غالباً لا يريد تداول السلطة، لأن السلطة عنده ليست وظيفة عامة تنتهي بانتهاء الولاية، بل امتياز شخصي وعائلي وحزبي.؛وهنا يبدأ الخلل.
حين لا يقبل الحاكم الرحيل، تتحول الدولة إلى رهينة، وتتحول المؤسسة إلى أداة. وحين يصبح القرار السياسي مرتبطاً بشخص واحد، تصبح الدولة عاجزة عن إنتاج البديل.
ولهذا فإن أهم معركة سياسية في عالمنا العربي ليست فقط معركة الوصول إلى السلطة، بل معركة بناء نظام يستطيع الحاكم فيه أن يرحل دون أن تنهار الدولة.
الديمقراطية الحقيقية ليست أن يأتي شخص إلى الحكم عبر الانتخابات فقط؛ بل أن يستطيع مغادرة الحكم عبر الانتخابات أيضاً.

نحو ما بعد “الأيديولوجيا”
العالم لا يحتاج إلى أيديولوجيا جديدة بالمعنى القديم؛ بل يحتاج إلى مشروع سياسي جديد.
مشروع لا يسأل المواطن عن طائفته قبل أن يسأله عن حاجته، ولا عن أصوله السياسية قبل أن يسأله عن كفاءته، ولا يضعه داخل قوالب اليمين واليسار والقومي والديني قبل أن يبحث في قدرته على المشاركة في بناء الدولة.
المشروع الجديد يجب أن يقوم على:

دولة القانون، استقلال القضاء، التعليم الحديث، الاقتصاد المنتج، “التكنولوجيا”، مكافحة الفساد، العدالة الاجتماعية، الأمن، الإدارة الكفوءة، تداول السلطة، والمواطنة.
وهذا لا يعني إلغاء التاريخ أو التنكر للأفكار التي صنعت القرن الماضي، بل يعني إخضاعها للنقد وإعادة تقييمها وفق حاجات القرن الحادي والعشرين.
لقد انتهى الزمن الذي يستطيع فيه الحزب أن يعيش على ذاكرة انتصار قديم، أو على صورة زعيم تاريخي، أو على خطاب عاطفي، أو على خوف الناس من البديل.

المرحلة المقبلة ستكون لمن ينتج المعرفة، ويفهم التكنولوجيا، ويبني المؤسسات، ويقدم النتائج.
فالأيديولوجيات القديمة كانت تقول للناس: نحن نملك الحقيقة.
أما السياسة الجديدة فعليها أن تقول: نحن نملك القدرة على الحل.
وهنا تحديداً يبدأ سقوط الأيديولوجيا، لا أمام أيديولوجيا أخرى، بل أمام واقع جديد أصبحت فيه التكنولوجيا والمعلومة والكفاءة والنتائج هي أدوات الصراع السياسي الأساسية.
إنها بداية الانتقال من سياسة الشعارات إلى سياسة الإنجاز، ومن حكم الأشخاص إلى حكم المؤسسات، ومن الأيديولوجيا إلى المشروع.

“إنتهى”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى