تربية وثقافة

حين ينطق الإبداع بين يديه.. أبو الوليد حسين الخطيب يحفر تاريخًا للفنّ بمنشاره!

الزميل وليد الخطيب ووالده الفنان حسين الخطيب

خاص “المدارنت”
الفن من أعمدة الثقافة في أيّ بلد، وتجرُّدُه منها يعني سقوطه.
في زاوية من زوايا لبنان المنسيّ، حيث تسكن الروح في صمت الحرفة، وتنبض الموهبة في قلبٍ أنهكه الإهمال، ثمّة مَن يظلّ يرفض أن يُطفئ وهجه رغم الظلام. في زاوية بسيطة، لا تخضع لقوانين العرض والطلب، يجلس حسين عبد الجليل الخطيب، فنانٌ لا يحمل لقبًا رسميًّا، لكنه نَحَت لنفسه مجدًا في صمت، وجعل من الخشب ذاكرة ناطقة.
مشغولاته ليست منحوتات عادية؛ إنّها نبض الأصابع إذا ألِفَت الخامة، وذهول العقل إذا اتّحد مع الصبر. تحفٌ تخرج من تحت آلة بسيطة، ولكنها تحمل في روحها تاريخًا من الحذق والدراية والابتكار. لا معامل ضخمة، ولا أدوات حديثة، فقط قلبٌ مولَع، ويدان صادَقَتا منشارًا، وجلسات طويلة مع الخشب، كأنها جلسات اعتراف بين عاشق ومعشوق.


حين تسأله عن السرّ، لا يبوح بالكلمات، بل يفيض بالتنهّد، كأنّ بينه وبين هذه الحرفة قصّة حبّ عتيقة. يقولها ببساطة متناهية: “ليست مهنتي، بل هويّتي… هي اليد حين تبحث عن ذاتها في الخشب”. هو الذي اعتاد أن يتقاسم مع الألواح الخشب سكون الليل ووهج النهار، يعرف عُقَدها قبل أن تظهر، ويُجيد محاورتها حتى تبوح بجمالها.
لكنّ هذا الإبداع، ككثير من روائع هذه البلاد، يعيش على الهامش. فالدولة التي لا ترى في المبدع غير رقم انتخابي، لا تستطيع أن تُدرك معنى أن يحوّل فنّانٌ قطعة خشب إلى قطعة من حلم، والمعنيّون لا يعرفون إلّا قيمة الأمور المادّية. لقد صارت يداه عاجزتين عن المضي، ليس لأنّ الشغف غادره، بل لأنّ المعدّات البسيطة صارت نادرة، والدعم معدوم، والاهتمام بالحِرَف صار من مخلّفات الماضي.


إنّه الحرفيّ الأصيل في بلدٍ هجَر الحِرَف، والهاوي المُجيد في زمنٍ لم يعد يعرف التأنّي، بل يستعجل الربح ويزدري الجَمال. كان الخطيب ينحت من ذاكرته، من عشقه، من حنينٍ لا يعرف أن يموت. يرى أنّ العمل اليدويّ لا يكتفي بإخراج منتج، بل يربّي النفس، ويصقل الطبع، ويزرع في القلب حكمة الصبر.
تحفه الخشب لا تُسعَّر بثمن مادّي، لأنّها تخرج من روحٍ لا تقدَّر بثمن. يقول في لهجة يملأها الفخر والاعتزاز: “نظرة إعجاب من عينٍ تُقدّر، تكفيني أكثر من الذهب كلّه”. هكذا هو الفنّ الحقيقيّ: عطاءٌ بلا مقابل، ودهشة لا تُشترى.
لكنّ الجرح ليس شخصيًّا، بل جماعيّ. فكم من أصحاب الحِرَف هجروها مكرهين! كم من يدٍ خبيرة رحلت، ودفنت معها أسرار الطين والقصب والجلد والخشب! أين ذهبت السلال والفخّار والنحاس والنقش؟ ضاعت، لأنّ أبناءها لم يجدوا فيها خبزًا، فاختاروا ما يسدّ الرمق على ما يُرضي الروح.


ورغم سنوات عمره المتقدّمة، لا يزال يحتفظ بوميضٍ في عينيه حين يتحدّث عن الخشب. يتذكّر كيف طوّر حرفته وابتكر أساليبه، وكيف كانت كل قطعةٍ جديدة درسًا، وكل تجربة معلّمًا. هو اليوم صوتٌ ينادي، لا ليُعرَض عملُه، بل ليُحفَظ، ليبقى، ليعلّم، لئلّا تضيع الحكاية كما ضاعت آلاف الحَكَايا من قبلُ.
ما صنعه أبو الوليد ليس مجرد خشبٍ منحوت، بل ذاكرة مرئية، وأثرٌ حيّ، وأملٌ في أن تُعاد الكرامة للحِرَف ولأهلها. أن تُعيد الدولة والمجتمع والجيل الجديد النظرَ في هذه الكنوز المنسيّة. أن تفهم أنّ التقدّم لا يكون بطمس الجذور، بل بغرسها في تربة جديدة تُعطيها الحياة من جديد.
هو ينتمي إلى جيلٍ كان يرى في الفنّ اليدويّ رسالة إنسانيّة، وفي كل قطعة يصنعها امتدادًا لروحه. ومع ذلك، لم تكن له حظوة ولا دعم ولا معرض. بقي – كما كثيرون غيره – شاهدًا على زمنٍ كفر بجماله، وشهيدًا في معركةٍ لم يخُضها معه أحد.
لكنّ تحفه بقيت. ما زالت هناك، تنطق. تنظر إليك من على الرفوف كأنها تقول: “أنا صوت يدٍ لم تيأس.. وأنا فنّ لم يمت”.

كتب وليد حسين الخطيب/ لبنان
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى