تربية وثقافة

غربة النص.. بين الترجمة والقراءات!*

عمر سعيد/ لبنان

“المدارنت”
هاجر خالي إلى البرازيل في ستينيات القرن الماضي، وتزوج هناك من فتاة برازيلية، لحقت به إلى بلاده، بعد أنجبت منه، وأحست أن خالي قد عجز عن النجاح هناك.
عاد خالي إلى وطنه، وبدأت هجرة زوجة خالي وغربتها.
ولا أدري إن كان هذا الوضع يسمى كما في الترجمة الضمن لغوية، أم البين لغوية..
لم تتقن زوجة خالي خلال أكثر من خمسين عاماً من الغربة العربية، ولم تكن تجد من يتحدث إليها البرازيلية..
كانت تتأنق لترافق الخال إلى مناسبات، لا تربطها بها عادات ولا تقاليد، ولا مشاعر ولا أطعمة أو مشروبات، ولا أظن أنها كانت تفعل لأكثر من رغبة الخروج من الغربة..
لم أرها ترقص في أي من مناسباتنا، فموسيقانا لا تحدث فيها تأثيرًا، ولا هي تعرف الدبكة ولا الرقص الشرقي..
ولم يخطر ببالي أن أسألها بتاتًا عن شعورها تجاه أطعمتنا، كذلك لا أظن أن زوجة خالي قد تحدثت طوال خمسين عام من أقامتها بيننا إلى أحد منا بشكل عميق، ولا أظن أنها قد شكت إلى أحد مما آلمها بصمت، وأوجعها بكتمان.أسئلة كثيرة تحضرني الآن وأنا أتذكرها:
هل استشارت أحدًا ما حول ثياب اشترتها؟! هل سألت أحدًا ما عن تسريحة شعر عقدتها، عن تقدّمها في السن؟! هل بكت أهلها الذين ماتوا بعيداً، دون أن تحضر جنائزهم، وهل فضفضت لأحد عمّا في صدرها من ذكريات وحنين؟
لا أظن.
تحجبت زوجة خالي، ولا أعلم إن كانت قد أسلمت، لكنني أثق بإيمانها الصامت، فما من شيء مكّنها من العيش بعيدًا عن أهلها كالحب، وهو ما كفاها لتؤمن.ماتت زوجة خالي، وحضر جميع أقارب خالي عزاءها.
لكنها حتى في موتها كانت غريبة.. وحده ابن خالي من بكاها، لأنه وحده من عرفها وعرفته.
لم أر في العزاء أيًا منا يكظم حزنه عليها، ليس لأننا سيئون، ولا لأنها لم تكن جيدة، بل لأننا كنا غرباء عنها، وكانت غريبة بيننا.
حتى أني أنا ما بكيتها..
ومنذ أن ماتت، لا أرى غير ابنها يزور قبرها، في صباحات الأعياد.
تذكرتها الآن وأنا أنهي قراءة كتاب:
أن نقول الشيء نفسه تقريبًا
لأمبرتو إيكو، ترجمة أحمد الصمعي.
تذكرتها الآن، ليس فقط لأنها ماتت غريبة، بل لأنها تشبه غربة النص حين يُترجم..
لطالما انتابني شعور الحزن كلّما كلمني أحد عن رغبته بترجمة إحدى رواياتي، ولطالما استعدت بذلك شعوري تجاه داني يوم ترك البيت في القرية، لينزل إلى بيروت لإكمال دراسته.
ما زال داني ولدي، لكنه ما عاد ولدي الذي كانه.
غيرته بيروت، غيرته حياة المدينة، غيره السكن في عمارة شاهقة بمصعد، غيره المسير في الشارع وسط أشخاص لا يعرف أحد منهم الآخر، غيرته زحمة الناس والسيارات، غيره توفر كل شيء بالقرب منه.
لذا ألاحظ كلما التقيت داني أن داني الذي أحتفظ به، ليس داني الذي ألقاه في بيروت، ولا أخفي أن أقول: إنني ألتقي داني لأجل الذي احتفظ به، لا لألجل الذي ألقاه.
ولا أدري لم خطر ببالي نهر العاصي، ينبع من لبنان، ويجري صوب سوريا، تُرى هل ماؤه الذي يتفجر في شمال البقاع، هو ماؤه الذي يجري في حماه، وهل هو ماؤه الذي يسير في إنطاكيا؟
أم إن ماء العاصي يفقد الكثير من لبنانيته، كلما مشى ابتعادًا عن منبعه؟


تخيفني ترجمة نصوصي إلى غير لغتها الأم، ويخيفني كثيرًا ابتعادها عن لسانها الأصل، ولا أدري إن كان صنين سيظل على ارتفاعه أم يتناقص أو يعلو أثناء الترجمة..
قد يقول قائل: إن ذلك ليس مهمًا، ولا يقدم أو يؤخر في جوهر الحكاية والسرد..
لكنني أقول: إنني أخاف على شخوص أعمالي من ألا تتقن اللغة التي قد تترجم إليها، فتعجز عن قول ما قالت، وحزن ما حزنت، وحب من وما أحبت..
أخاف عليها من ألا تتمكن من قول ما قالته بلغتها الأم..
أخاف من ألا تستطيع السير فوق أرصفة ليست موجودة حيث ولدت..
أخاف أن يفقد التراب رائحته، وأن يخسر التبن خصائصه، وأن تيبس الأشجار لعدم اعتيادها على رياح الأماكن التي ستنقل إليها.
عندما قرأت في شبابي الكثير من الأعمال المترجمة، أتذكر أني ما شعرت بما شعرته وأنا أقرأ حنا مينا، وواسيني الأعرج، وعبد الرحمن منيف، ومارون عبود وتوفيق يسوف عواد وميخائيل النعيمة..
كنت أقرأ شكسبير كما لو أني أجلس في بيتنا القروي بحضور ضيف، قدم من المدينة، فلا أسمح لنفسي بالتحدث في حضوره، وأترك مسافة بيني وبينه؛ لئلا تزعجه رائحتي كقروي يلتصق بالتراب والحجارة وحيوانات القرية.
لكنني كنت أقر لأي كاتب عربي كما لو أني أتحدث لأبي، أو لأمي، كما لو أني أخبر إخوتي وأخواتي عن مغامراتي اليومية، أروي وأضحك، وأتقافز فوق ما في باحة الدار، دون أن أخاف على نفسي أو على الموجودين.
كنت أمس في محل لبيع الملابس الأوروبية كما يسمونها، تجذبني إليه من وقت لآخر حَكَايا الأجساد التي مرت داخل تلك الملابس والأحذية..
تخيلت أن صاحب قميص قرر أن يتابع رحلة قميصه الذي طار إلى واحد من تلك المحلات في العالم، تخيلته يتبعه إلى حبل غسيل امرأة اشترته، أو رجل طلب من زوجته غسله قبل أن يلبسه.
تخيلت القميص معلّقًا على حبل الغسيل يرى صاحبه الأول قادمًا من بعيد، تخيلته ينتظر أن يمد يده؛ ليستعيده، ويلبسه..
تخيلته وقد مرّ صاحبه الأول، من دون أن يراه على حبل الغسيل، لأنه لم يعرفه..
أخيرًا إني أخاف على نصوصي من أن تعيش تجربة زوجة خالي، أو تجربة داني، أو تجربة قمصان البالة..
يؤلمني أن أرى روايتي تنتظر على رف فوق بسطة شارع في واحد من أسواق القرى النائية في القارة العجوز، أو في أمريكا، أوف في آسيا أو أستراليا.
يؤلمني أن يقرأ فيتنامي نصي من وراء عدة لغات..
يؤلمني أن تصبح رواياتي كماء نهر العاصي، كلما ابتعدت عن منبعها، تفقد نقاءها وصفاءها وتراكيبها التي تشبه المنبع.
يؤلمني أن تكثر نسخها، ويندر قراؤها.
فأن يُترجم نص لي؛ لا يخيفني لأنه قد يُساء فهمه، بل لأنه قد لا يتحرك داخل القارىء كما كُتب، لأن بين الكلمة وشعورها بُعدًا لا تقطعه اللغة، بل الذاكرة.

* من كتاب: “الكتابة ليست علفًا”.. (قيد الإنجاز)
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى