“فلسفة الجمال”.. وبيت الطين*

“المدارنت”
أنا الواقف أمامكم؛ تعلمت الفرنسية في مدرسة القرية، على يد معلّم لا يعرف الفرنسية، كما تعلمت العربية، على يد معلم لا يعرف العربية، ولا أدري كيف وصلت إلى هنا اليوم، لأتحدث عن كتاب: “فلسفة الجمال” للراحل سمير الحاج شاهين رحمه الله.
في طفولتي كان الجمال رصاصة، نطلقها على الآخر، فقد كان الآخر عقبة تحجب عنا رؤية الجمال. رصاصة نقتل بها، لنجلس عن يمين الله وعن شماله.
لم يكن يومها المسيحيون، جزءا من الجمال، وكانت الجنة مكافأتي على ترتيب الأرض بشكل يتناسب مع عقلية أهلي والرصاص.
أدركت بعدها بوقت قصير، أن الله، ليس له أي معجزة، وأن صانع المعجزات الأوّل في حياتي كانت أمي. كنت أراها كيف تصنع رغيف خبز من أشياء بسيطة، ماء وملح وطحين، ومن حرق أصابعها مرات ومرات.
لم يكن ما تنجزه مجرد وصفة؛ تعلمتها من الجدّات، بل كان معجزتها التي اجترحتها من إيوائها إلى غار الصبر والتعب والحب، لتخلق ما يمدني بالحياة.
فغدت لي آيتي: وجعلنا من الأم كل شيء حي.
وكان أبي الوحي الذي علمني الأسماء ومعاني الأشياء من حولي.
وأن الطين الذي كان يلتصق بأقدامنا جراء جرينا في أزقة القرية، جزء من ذلك الجمال.
لقد علمني أبي، يومها، أن التراب ليس وسخًا، علينا أن ننشغل بإزالته، وأن الأرض تحت أقدامنا ليست مجرّد طريق، نمشي فوقها، بل إنها كتاب، وحكاية نحملها معنا، ووطن علينا أن نحبه أكثر ، بعد كل خدش صغير، تسببت به حجارة القرية، فوق ركبتي الصغيرة.
كان يومها الكثير من الجمال في زحلة، وكانت زحلة بعيدة، وبعيدة جدًا، فيها الموسيقى والرسم والشعر؛ وسعيد عقل والمعالفة (الأدباء والشعراء من آل معلوف)، لكنها كانت أبعد من الرصاصة، وأبعد من معجزات أمي.
لم يعلمني أحد شيئًا عن الجمال، كان علي أن أكتشف كل ذلك بنفسي.
فكيف لأم لا تملك المرايا، ولا أدوات التجميل والذهب، أن تعلم ابنها فلسفة الجمال؟
وكيف لأب؛ كان يحدل سطح منزله الطيني طوال الشتاء، ويظل يعمل في حقله صيفًا إلى ما بعد العشاء أن يتفلسف بالجمال؟
كان الجمال من حولي في أشياء بسيطة جدًا، في خطوات أمّي الحافية فوق تراب الدار، في صمتها، في دندناتها الرقيقة، وفي صدق دمعها، الذي جعل لحليبها ورغيفها طعم السعادة رغم مشقّات الحياة.
وكان في حزام أبي وصرامته، ورباطة جأشه مدرستي التي دخلتها بقلبي قبل عقلي، علمتني تلك المدرسة كيف أفهم أن العلاقة بين القمح والطين هي الصورة المصغرة؛ لتكامل الأرض والسماء، كما علمتني قدرته على النظر إلى الأشياء الصغيرة، أنها تحمل معاني أكبر.
لقد علمني ذلك الأب الكادح؛ أن جدران بيتنا الطيني الذي بناه بعصب الفقر فيه، أمتنُ من الأبراج التي دخلتها لاحقًا؛ لقد كان كدحه أصدقَ دروس الجمال التي تستحق الاحترام والتقدير.
كل ما ذكرته وقلته، اكتشفته وأنا أقرأ كتاب: “فلسفة الجمال” لسمير الحاج شاهين، اكتشفت أن كل ما تعلمته في طفولتي، كل خبزًا، كل طينًا، كل لحظة صمت عاشتها أمي، وكل يوم كدحٍ تحمّله أبي، هو نفسه ما حاول هذا العبقري قوله..
لقد علمني سمير الحاج شاهين؛ أن الجمال ليس مجرد شكل أو لون، ليس مجرد لوحة معلّقة في صالون قصر كبير، بل هو تجربة وعاطفة، وعلاقة بين الإنسان والإنسان، بين الإنسان وعالمه، بين قلبه وأرضه، بين عرق أمّه وأصابعه الصغيرة، بين جبن الأبناء وشجاعة الأباء.
فالجمال في الخبز الذي نتقاسمه، في الطين الذي نلعب به وندفن فيه، في رائحة المطر، في لمسة صادقة، في صمت الطبيعة وضجيجها، في كلّ شيء صغير نتجاهله عادة، من دون أن نتنبّه إلى أنّه يحمل في جوهره معنى الحياة كلها.
شكرًا لسمير الحاج شاهين؛ الذي دعاني لأقف كضيف يحتفل بكتابه، لأدرك أن فلسفة الجمال؛ ليست مجرّد فكرة، أو نظرية قابلة للتشريح، بل حياةٌ عشتها منذ طفولتي: في أمّي، في أبي، في الخبز، في الطين، في أزقّة القرية، في كلّ تجربة صغيرة علمتني الامتنان والصبر، والانتباه، والقدرة على رؤية العالم بقلبي قبل سواه.. وأحبكم.
* كلمة ألقاها الروائي سعيد في حفل كتاب: “فلسفة الجمال” للراحل سمير الحاج شاهين، في قاعة بلدية زحلة.




