خطر التعصُّب المذهبيّ.. الجزء (2-2)

خاص “المدارنت”
.. أمّا من الناحية السياسيّة؛ فقد أدى التعصب المذهبي عبر التاريخ إلى تحوُّلات عميقة في الفكر السياسيّ الإسلاميّ، حيث استُعمِل بعض الاجتهاد الفقهي في بعض العصور لتبرير مواقف سياسيّة، كما استُعمل أحيانًا لمقاومة الظلم وحماية المجتمع؛ وإلى وسيلة لتبرير السلطة وإقصاء الخصوم؛ فعندما يمتزج الدين بالسياسة بطريقة متعصِّبة، يتأثّر الفكر السياسيّ والتشريعيّ للدولة بشكل مباشر ومحوريّ.
إنّ أبرز آثار التعصُّب المذهبيّ على الفكر السياسي؛ تكمن في تبرير الاستبداد السياسيّ، باحتجاز الشرعية وتوظيف الساسة والحكّام حالة التعصُّب المذهبيّ، لإضفاء “مشروعيّة إلهيّة” على حكمِهِم. لذلك، صار الحاكم يتبَنّّى مذهبًا فقهيًّا أو عقائديًّا معيّنًا؛ ويعتبره “مذهب الدولة الرسميّ”، ومن ثم يتّهِم معارضيه السياسيّين بالخروج عن الدين وبالابتداع، كما أدّى التعصُّب إلى جمود الفقه السياسيّ، فظهرَت فتاوى تبالغ في تحريم معارضة الحاكم “المتمَذهِب بمذهب الجماعة” خوفًا من الفتنة، مما عطّل تطوُّر الفكر الديموقراطيّ والشورى الحقيقيّة.
كلٍ ذلك، وغيره من تأثير التعصًّب، أدّى، أيضًا، إلى إقصاء الكفاءات وتقويض التعدُّدِيّة السياسيّة؛ وتحوُّل الولاء من “الأمّة والوطن” إلى “الطائفة والمذهب”، ممّا أسّس للتمييز والعمى المعرفيٌ والعمى السياسيّ، وتفتيت الهُوِّيّة الجامعة؛ وتغييب الرأي الآخَر، وتغليب الصراع المذهبيّ على المصالح الاستراتيجيّة، ممّا جعل رابطة المذهب أقوى بكثير من رابطة المواطَنة ورابطة الأمّة، فسَهُل الاختراق الخارجيّ، ممّا قوّض الدول الإسلاميّة، وسرّع سقوط بعضها كما حصل لبغداد على أيدي المغول والتتار عام 1258 م.
إذن، لقد حوّل التعصُّب المذهبيّ الفقهَ السياسيّ من فقه “مقاصديّ”، يبحث عن العدل والمصلحة العامة، إلى فقه “أيديولوجيّ ضيّق”؛ يُستَخدَم كأداة للصراع على السلطة والنفوذ.
يقدِّم بعض الفكر الإسلاميّ المعاصر؛ رؤية متجدِّدة لتخليص الفكر السياسيّ من أسر التمذهُب والتعصُّب؛ بالانتقال من “فقه الهُوِّيّة المذهبيّة الضيِّقة” إلى “فقه المقاصد والمُواطَنة الجامعة”.
ترتكز هذه الحلول على إعادة قراءة النصوص التشريعيّة، وتطوير آليّات عمل الدولة الحديثة من خلال المحاور التالية:
– ألانتقال من “المذهب الفرديّ” إلى “الاجتهاد المقاصديّ الجماعيّ”، حيث يُرَكِّز المفكِّرون المعاصرون على “مقاصد الشريعة”، (حفظ الدين، النفس، العقل، النسل، المال والحرِّيّة)، كإطار جامع لكل المذاهب؛ فالسياسة الشرعيّة في الفكر المعاصر تدور مع المصلحة والعدل أينما كانا، وليس مع ما قرّرَهُ مذهب فقهيّ معيّن قبل قرون.
كما تقوم المؤسّسات التشريعيّة المشتركة بطرح الفكر المعاصر، بديل “الاجتهاد الجماعيّ، عبر المجامع الفقهيّة والمجالس التشريعيّة” التي تضمّ علماء ومفكِّرين وقانونيّين من مختلف المدارس الإسلاميّة، ممّا يمنع انفراد مذهب واحد بصياغة قوانين الدولة وسياستَها.
– مأسَسة “فقه المواطنة”، وتجاوٌز تصنيفات الماضي، حيث استبدل الفكر السياسيّ المعاصر مصطلحات الفقه القديم (مثل أهل الذمّة، دار الإسلام، ودار الحرب) بمفهوم “المواطنة الكامِلة والمتساوِيَة” في الحقوق والواجبات لجميع أبناء الوطن، بغَضّ النظر عن انتمائهم المذهبيّ أو الدينيّ بالاستشهاد، دائمًا، بـِوثيقة المدينة المنورة التي وضعها النبيّ، عليه الصلاة والسلام، كأوّل دستور مدنيّ أقامَ مجتمعًا قائمًا على التعدُّدِيّة السياسيّة والدينِيّة، معتبرًا الجميع “أمّة واحدة من دون الناس في الحقوق السياسيّة والدفاع عن الوطن.
– التمييز الفلسفيّ بين “الدينيّ الثابت” و”السياسيّ المتغيِّر”، حيث تكون الدولة مدَنِيّة بمرجعية إسلامية، كما يطرح المفكِّرون المعاصرون مفهوم “الدولة المدنيّة ذات المرجعيّة الإسلاميّة”.
ألدولة في الإسلام، ليست دولة دينية (ثيوقراطية) يحكمها رجال دين يحتقرون المذاهب الأخرى، بل هي دولة تديرها مؤسّسات مدنيّة، والعمل السياسيّ فيها يقع في دائرة “العفو والمصلحة المتروكة لاجتهاد البشر”، بما لا يخالف قطعيّ الثبوت والدلالة، ممّا ينزع القداسة عن القرارات السياسيّة، بالتأكيد على أنّ برامج الأحزاب والقرارات السياسيّة هي اجتهادات بشريّة قابلة للنقد والخطأ والصواب، ولا تمثِّل “حكم الله المطلق” أو رأي المذهب المعصوم، ممّا يرفع الحرج عن المعارضة السياسيّة المشروعة.
– مراجعة المناهج التعليميّة والخطاب الدينيّ من خلال ترسيخ التعدُّدِيّة في الوعي، حيث يسعى الفكر الإصلاحيّ الى تدريس “الفقه المقارن” وتاريخ الأفكار السياسيّة في الجامعات والمعاهد الدينيّة، لتنشئة أجيال تؤمن بأن الاختلاف المذهبيّ هو ثراء فكريّ وعلميّ، وليس صراعًا سياسيًّا. ثمّ من خلال الدعوة إلى كفّ الخطاب الدعويّ والمؤسسات الدينيّة الرسميّة عن الدخول في التجاذبات السياسيّة أو الانحياز لطرف مذهبيّ ضدّ آخر، ليبقى الدين مظلّة جامعة وموجِّها أخلاقيًّا عامًّا للدولة والمجتمع.
إذن، لا خلاص للمجتمع المسلم، والمجتمعات المؤلِّفة للدولة ذات الغالبيّة المسلمة، إلّا بسيادة مبدأ الاعتدال والمواطَنة والحقوق والحرِّيّات، واحترام وصون الرأي الآخَر، وتطبيق قِيَم العدالة والمساواة؛ نحو الاستقرار والنهوض وبناء الحياة الحرّة الكريمة.



